کد خبر: 750

الاحياء الحسيني بين العقل والعاطفة : البكاء على سيد الشهداء/الدكتور علي رمضان الأوسي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا "
لماذا نتناول الاحياء الحسيني بهذا الترشيد؟
هذه الثورة الحسينية العملاقة ابتليت بمحاولات قتل معاصر تتمثل باخراجها بطريقة مشوهة، فهناك ممارسات كثيرة يراد لها ان تدخل في مفردات الاحياء الحسيني لكنها ليست شعائر، بل هي اذواق متخلفة احيانا حين تلحق التوهين بالدين والمذهب وكذلك الضرر الجسماني . الاحياء اذن يحتاج لضوابط تنسجم واهداف النهضة الحسينية والقيم التي ثار من اجلها الامام الحسين عليه السلام لان الشعيرة تهدف لاحياء القلوب بصريح القران الكريم (ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب). فالتعظيم للشعائر احياء لها ولابد ان تلتقي وتقوى القلوب.
هذه الشعائر الحقة لا يمكن ان نضيف لها اذواقا اواعرافا او موروثات أمم اخرى كما يفعل اليوم. لقد شوهت الثورة الى حد كبير.
نعم الخزين الفكري و العقلي كبير في هذه الثورة، فبامكانك ان تاخذ من القيم والفكر والشعارات والنداءات التي انتهجها ابوالاحرار لتتعامل بها مع الناس وتخاطبهم بها وتحثهم عليها.
الامم المظلومة والمستضعفة و كذلك الانسان المغلوب على أمره والمجتمعات المتأرجحة غير المستقرة كلها تحتاج لهذه القيم التي استشهد الامام الحسين عليه السلام من اجلها. أليس الايثار والتضحية والشهادة والصبر وكثير من تلك القيم التي جسدها الامام الحسين عليه السلام بحاجتها الامة اليوم مجتمعا وافرادا.

البكاء مفردة الاحياء الكبرى:

لنستفد من مفردة في الاحياء مورد توافق الجميع اذ حث عليها الرسول صلى الله عليه واله وسلم واهل البيت عليهم السلام وهو البكاء.
وقول الرسول لاهل المدينة بعد معركة أحد : ( أما حمزة فلا بواكي له) ومن هناك اقيمت ماتم العزاء في بيت حمزة عليه السلام وجرى على ذلك المسلمون .
قد يقول البعض : ان البكاء ضعف كبكاء الثكالى والايامى والايتام ويطرح بديلا عنه وهو السرور في يوم الشهيد تعبيرا عن انتصار قيم الشهيد.
العلامة المطهري يتعرض لهذه المسألة ويؤكد ان السرور لا يؤدي النتيجة كما يؤديها البكاء فالابتهاج على الشهيد يعبر عن روح فردية يوغل في الذاتية فالضحك يشبه الشهوة التي تعني الانغماس في الذات. بينما البكاء على الشهيد يعبر عن روح اجتماعية ويخرج على قيود الذاتية ويمتاز بنكران الذات والذوبان في ذات واهداف المبكي عليه . ولقد ندب الائمة الهداة عليهم السلام وحثوا على البكاء على الحسين عليه السلام . ولو كان السرور والضحك يوم الشهيد انسب لدعانا اليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
وروي عن الامام الصادق عليه السلام قال : رحم الله تلك الدمعة.
وقال الرسول صلى الله عليه واله وسلم : كل عين باكية يوم القيامة الا عين بكت على مصاب الامام الحسين.
وقال الامام الرضا عليه السلام : يا شبيب ان كنت باكيا لشيء فابك الحسين فانه ذبح كما يذبح الكبش.
وقال الامام الرضا عليه السلام : وعلى مثل الامام الحسين فليبك الباكون.
المنصور الدوانيقي العباسي تضايق من الامام الصادق عليه السلام فبعث من يحرق منزله عليه وعلى عياله. وعندما وصلت النار خلف الباب قام الامام بنفسه باطفائها. وفي اليوم التالي وجدوه حزينا باكيا فسئل: هل حزنت من تلك الحادثة؟ قال: لا ولكن رايت الاطفال والنسوة يتراكضن من حجرة الى حجرة فتذكرت عيال جدي الحسين كيف نشبت النار في خيامهم وفروا في الفلاة ومناديهم ينادي. احرقوا بيوت الظالمين.
قال الامام الحسين عليه السلام : انا قتيل العبرة لم يذكرني مؤمن الا استعبر .
وقد بكى رسول الله مرارا على الحسين وهو صغير وكأنه ينعاه حتى اخبره بان هناك منزلة عظيمة تنتظره ولا تنال الا بالشهادة في سبيل الله تعالى.
اولياء الله في جوف الليل يبكون عن قوة وليس عن ضعف بسبب الايمان القوي لديهم وروح تواقة لمعشوقها. ينتظرالمؤمن منتصف الليل ثم يخلو بنفسه ويدعو ربه وهذه من اسباب قوة المؤمن .
يقال ان الشيخ هادي كاشف الغطاء وهو من العارفين لم يخرج يوما من بيته وطلب ممن يقوم بشؤون بيته ان يدعو طلابه في اليوم التالي ويدخلهم واحدا واحدا. كان كل طالب يدخل يبقى فترة ثم يخرج باكيا. سال احدهم الآخر: كيف ولماذا؟ لقد كان الشيخ رحمه الله يضع الكفن ثم يسألهم: كيف قتل الحسين؟ كيف حمل طفله الرضيع ليسقيه ماء وماذا فعل حرملة؟ كيف ذبح سيد الشهداء؟ كيف داست الخيول صدره الشريف؟ والطالب يبكي وكان الشيخ يجمع الدموع التي تتساقط من عيون طلابه على الكفن، وعند وفاته اوصى بان يكفن في ذلك الكفن المليء بدموع محبي الحسين وعشاقه.

العاطفة الركن الثاني في بناء الشخصية:

احدهم لم يستطع الصبر ساعات امام الجلاوزة ايام النضال السلبي في العراق ضد الطاغية صدام ، لانه كان احادي الفكر والثقافة ( القمة التي الى القاع هوت) بينما صبر وثبت اخرون اقل ثقافة منه لانهم بنوا فكرهم من خلال المناخ العاطفي السليم . فاذا لم يبن الانسان على اساس فكري وعاطفي معا تراه سرعان ما يضعف ولايصمد . العاطفة موجودة في الخلقة كما العقل والتفكر والتدبير .
لا تبك من ذل او ضعف وهذا هو البكاء المذموم بينما الاسلام يدعونا لترشيد البكاء. نبكي بوعي وهدف. عندما تخرج من هذا المجلس بدمعة واعية فهذا انجاز حين تربط ذلك الاحياء وتلك الدمعة بموقف الامام الحسين عليه السلام.
هناك انواع عديدة من البكاء:
بكاء كاذب "وجاؤوا أباهم عشاء يبكون"، لانهم لم يلقوه في الجبّ، فكانوا يبكون كذبا.
الآية التي قرأناها: (ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)، هذا هو البكاء الحق المرتبط بالقيم العليا في رضا الله سبحانه فهم ببكائهم من خشية الله سبحانه يزدادون خشوعا وهنا يوضع البكاء كمقدّمة ضرورية لتحقيق الخشوع.
وللبكاء فلسفة تعبر عن قيم وليس عن ضعف او هوان.
وهكذا يرتقي الانسان في تربيته الروحية بمنطق"يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه".
المقدمة لواجب الخشوع تتحول الى واجب ايضا. والاية المباركة تصور الانسان حين يسجد فان ذقنه يتلقى الارض اولا.
من جهة اخرى هناك بكاء طبيعي. فالنبي نوح بكى على ابنه، والنبي ابراهيم حينما توسل لهداية عمه آزر الذي تبنّاه كان امرا طبيعيا وكذلك بكاء ام موسى على ولدها.
لكن بكاء النبي يعقوب على النبي يوسف عليهما السلام مع كونه طبيعيا لكنه كان ينظر الى يوسف انه يمثل الولاية والامتداد النبوي.
النبي يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن من اجل بقاء الولاية.
الامام الحسين جسّد مشروعا ولائيا بدمه الطاهر الذي افشل الظالم ودمر كل ما بناه معاوية، وفضح كل ما طرح لابعاد الناس عن مرجعية اهل البيت عليهم السلام ، ورغم تحوّل الخلافة الى ملك عضوض لكنه عليه السلام اراد ان يقول للآخرين : ان هؤلاء لا يمثلون الشرعية الدينية وجسدها بدمه الشريف وتضحيته العالية في سبيل الله تعالى.
نبكي الحسين لاننا افتقدنا الصرح الولائي، ولان الانحراف هو الذي ادى الى قتل الحسين ولولا ذلك الانحراف لما قتل الامام الحسين.
اخيرا اشير الى هذه النقطة:
البكاء يخدمنا في التنمية الفردية والاجتماعية.
حين يبكي الانسان على الامام الحسين يستطيع ان يؤسس لمنظومة اخلاقية ويتخلق بخلق الحسين من صبر وتحمل وايثار وكرم وشجاعة وغيرها فكلها قيم اخلاقية.
وحينما نبكي نوصل للمثقف والمفكر والواعي من الناس ان هذه التربية هي تربية الشجعان وليست تربية الاذلاء الضعفاء. نعم انها تنمية تربوية واخلاقية.
وحين يبكي الانسان يرقّ قلبه ويقضي على قسوة القلوب فيحصل على تنمية روحية. لكن اذا قسا القلب ضاع الانسان.
وكذلك التنمية السياسية:
حين نبكي على الحسين انما نرفض الطاغوت ولانركن للظالم وندين القاتل و ونحاسب المجرم فهذه تنمية ووعي سياسي.
على صعيد المجتمع، حينما نتحرك بقيم الحسين وتحيا هذه المجالس بشعائرها الحقة ويكون البكاء مرشّدا انما نحقق بذلك ايضا تنمية اجتماعية واسعة .
تعارفنا في هذا المجلس المبارك وننظر الان لبعضنا بقلب حسيني
ثم ننتقل الى مجالس اكبر واكثر فتجد نفسك في بحر الجماهير والامة وتستطيع ان تؤسس من خلال ذلك لتنمية مجتمعية واسعة.
فالشعائر الحقة هي التي تحقق هذه الاغراض والاهداف السامية للامام الحسين في نهضته المباركة
كل عين باكية يوم القيامة الا من بكى على الامام الحسين صدقت يارسول الله
والعيون التي لا ترى النار يوم القيامة هي : عين سهرت في طاعة الله وعين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله. وهكذا كان الامام الحسين النموذج الامثل لهذه العيون الثلاث المنتصرة يوم القيامة فلنتأس به سلام الله عليه من خلال احياء شعائر ثورته بعيدا عن اي تحريف لهذه الشعائر.
ومن علامات الشقاء جمود العين كما ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
وعن امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام: ما جفت الدموع الا لقسوة القلوب وماقست القلوب الا لكثرة الذنوب.

تبكيك عيني لا اجل مثوبة
لكنما عيني لاجلك باكيه
تبتل منكم كربلا بدم ولا
تبتل مني بالدموع الجاريه
أنست رزاياكم رزايانا التي
سلفت وهونت الرزايا الاتيه

انا لله وانا اليه راجعون

د. علي رمضان الاوسي
ليلة السابع من محرم 1438
المصادف 27-9-2017


eeee

اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم