الحضارة الاسلامية دعوة إلى السلام وحفظ كرامة الانسان/الدكتور علي رمضان الأوسي

ملتقى الثلاثاء الفكري
مسجد الامام الحسين (ع) في لندن
28/11/2017
عنوان البحث:
(الحضارة الاسلامية دعوة إلى السلام وحفظ كرامة الانسان)

وقد تحدث الدكتور علي رمضان الأوسي مبيناً تعريفاً للحضارة:
الحضارة لغة : تعنى الاقامة في الحضر، بخلاف البادية التي تكون الحياة فيها متنقلة تبعاً لتبدل الظروف، وقد شهدت حياة المدن استقراراً أكثر فانطلقت نحو الاعمار والرقي.
وان اختلفت تعاريف الحضارة لدى علماء الاجتماع والسياسة وغيرهم لكنها تدور حول الجانب المادي والجانب المعنوي في الجهد البشري فهناك من فكّك بينهما وهناك من عرّف الحضارة بالجهد المشترك المادي والمعنوي.
لكن أقرب الرؤى: ان الحضارة تعنى بالجانب المعنوي والقيمي ويتربعها (الانسان) موضوعاً كما هو في القرآن الكريم حيث انه كتاب تغيير يهدف الى تغيير الانسان ويرتفع به الى كمالات تسعى الى إسعاده، ويبقى الجانب المادي واضحاً في مدنيّة هذا الانسان المتحضّر فهناك حضارة تعنى بالجانب المعنوي وهناك مدنيّة تهتم بالجانب المادي.
لذا قد يظهر مجتمع متحضّر جداً في قيمه ومعارفه مبقياً على مدنيّة محدودة، وفي مجتمعات أخرى تطغى المدنية المادية والتطور التقني في مرافقها الحياتية بينما يضمر الجانب الحضاري على صعيد القيم والمعارف الانسانية.

الحضارة الاسلامية
كل حضارة ترتكز إلى مقوّمين رئيسين:
1-العقيدة
2-النظام الاجتماعي المترشح عنها.
ويمكن النظر الى الحضارة الاسلامية من خلال مسألتين تحققان كلتا الركيزتين للحضارة :
1-مميزات النص الديني والسيرة المشرفة للنبي الاكرم .
2-أهداف النبوات.
امتاز خطاب الرسول (ص) للناس والمؤمنين بجملة من الصفات:
1- العقلانية.
2- الواقعية.
3- العدالة.
4- الرحمة.
وهناك صفات اخرى لكنها تندرج تحت تلك المبادئ الرئيسية في الخطاب.
دعا (ص) الى تحرير العقل من الجهل والتقليد الاعمى وحالات الشرك وعبادة الوثن التي تتسبب في تعطيل العقل الانساني. فهناك ثورة على الجهل وظلمات التجهيل.
كما كان ينطلق رسول الله (ص) في كل أمر مستحضراً العدالة وقد أخبر القرآن الكريم عن غرض بعثة النبي (ص) وهي اقامة العدل والقيام بالقسط بين الناس.
من جهة اخرى كان الرسول (ص) رحيماً حيث قال سبحانه: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)(سورة الانبياء: 107) الى جانب الواقعية في التشريع والتبليغ والممارسة من قبل رسول الله (ص) اذ لم يذهب صوب رهبانية ولم يتخفف وراء مثاليات تتبخر امام أية فرصة احماء واقعية وقد جاء بتشريع واقعي من الله سبحانه ينسجم مع الفطرة وما يقتضيه الواقع الانساني ايضاً.

خصائص مهمة في رسول الله (ص):
1- بعثه الله في الأميين رسولاً وهم الذين لا يفقهون الكتاب ولا يعلمون فقه السماء
2-ذكر القرآن الكريم صفات كثيرة لرسول الله (ص) منها:
أ: الخلق العظيم (وانك لعلى خلق عظيم)(سورة القلم: 4).
ب: صادق: لا يبلّغ كذباً ولا يفتري في تبليغه
ج: أمين: قال النبي (ص) (والله اني لأمين في السماء أمين في الارض
د: عادل: قال الله سبحانه: (وأمرت لأعدل بينكم)(سورة الشورى: 128).
هـ: شجاع: قال الامام علي (ع): (كنا اذا اشتد البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول الله ولذنا به)
و- رحيم: قال الله سبحانه: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(سورة التوبة: 128).
ز- حليم: يقال ان اعرابياً جاء الى الرسول (ص) وجذبه بردائه جذبة شديدة أثّرت في رقبة الرسول (ص) وقال له: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. واذا برسول الله (ص) يضحك بوجهه ثم أمر ان يعطى من مال الله
مَن من الزعماء يفعل ذلك وبأنسيابية نفسية من غير تكلف؟.
ح: متواضع: يقول الامام الصادق (ع): كان رسول الله يأكل اكلة العبد ويجلس جلسة العبد تواضعاً لله تبارك وتعالى. وهو زعيم ونبي وقائد، لم يدخل العجب ولا الكبر الى قلبه ولم يخالطه غرور، وانما كان يستحضر وجوده بين يدي ربه
ط: متوكل، في الرواية ان رسول الله (ص) نزل مع جماعته وادياً فيه شوك كثير وقد علّق سيفه على الشجرة فنام قليلاً ورأى في المنام ان شخصاً قد شهر سيفه ليضربه فنهض من نومه واذا بالرجل واقف وبيده السيف ويقول: من يمنعك مني يا محمد الآن؟ فقال (ص) متوكلاً مطمئناً الله، وكان السيف بيد الظالم وكررها عليه مرة أخرى فردّ النبي (ص) عليه فقال: الله يمنعك فانكفأ راجعاً وشام سيفه اي وضعه في غمده وجلس بعيداً عن رسول الله (ص).
من منا لم يرعب في مثل هذه اللحظة؟
ي: صابر، ادميت قدما رسول الله (ص) بتحريض من المشركين حين قدم الى الطائف تخلصاً من المشركين حيث قال (ص): (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت).
ك: أمّي، حيث قال الله سبحانه: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك اذا لارتاب المبطلون)(سورة العنكبوت: 48).
ل: يتيم، قال سبحانه: (ألم يجدك يتيماً فآوى)(سورة الضحى: 6)، وقد ساهم هذا الظرف الاستثنائي وهو صغير في بناء الشخصية والاعتماد على الذات رغم رعاية جده عبد المطلب (رض) و عمه ابي طالب (رض)، وهناك معنى آخر لليتم بأنه يتيم دهره ولا نظير له في الوجود فهو خير خلق الله وأفضلهم.
وكان نبينا محمد (ص) خاتم الانبياء (ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)(سورة الاحزاب: 40).
نعم انه صاحب لواء الحمد يوم القيامة وصاحب المقام المحمود (عسى ان يبعثك ربك مقاماً محموداً)(سورة الاسراء: 79).
وهو صاحب الحوض كما ورد في حديث الثقلين وقد تميز هذا الحوض لسعته وكثرة من يرد اليه.
وقد سمّاه القرآن الكريم بالداعي (سورة الاحزاب: 46) ووصف امته بانّها (خير أمة اخرجت للناس)(سورة آل عمران: 110).
هذه لمحة سريعة في جانب من صفات الرسول محمد (ص) ولابد ان تتجلى هذه الصفات العظيمة في سيرته وعلاقته مع ربه ومجتمعه ونفسه وفي مواقفه وفي بناء النظام الاجتماعي.
النبي محمد (ص) شأنه شأن الانبياء الآخرين لكنه أفضلهم ورسالته خاتمة الرسالات وقد تميز هذا الخطاب النبوي بميزات مهمة وكانت لهذه الرسالات أهداف وغايات:

أهداف النبوات:
1- التكامل: اي ان يتكامل الانسان فهو مخلوق فطري زينه الله سبحانه بنعمة العقل والتفكير بين المفردات الأخرى في هذا الكون ومطلوب منه ان يسمو في تعامله مع هذه المفردات صوب عملية تكامل انساني وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر
2- انقاذ الناس من ولاية الطاغوت واخراجهم من الظلمات الى النور هو من واجب الانبياء قال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)(سورة النحل: 36)
قال امير المؤمنين علي (ع): (ان الله بعث محمداً بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده، الى عبادته ومن ولاية عباده الى ولايته).
3- التزكية وتعليم الكتاب والحكمة، قال سبحانه: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(سورة الجمعة: 2).
4- مكارم الاخلاق، قال (ص): (انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق).
5- قيام الناس بالقسط: بان يقوم بين الناس بالقسط والعدل قال سبحانه: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)(سورة الحديد: 25).
6- وضع الأصر والاغلال، قال سبحانه: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم)(سورة الاعراف: 157).
الاصر: هي المثبطات عن فعل الخير ويقال: أصَرَهُ يأصُرِهُ إذا حبسه وضيّق عليه وما اكثر هذه المثبطات والعياذ بالله فالانسان يعيشها كمفرد والامة تعيشها كجماعة وعلى سبيل المثال نذكر بعض مفردات هذا الاصر منها:
البخل وتأثيره على ارادة الخير في الانسان حيث يمنع من الانفاق. وكذلك ايذاء الظالمين للمؤمنين حين يمنعونهم من اقامة الخير، وكذلك الجبن يمنع صاحبه عن الشجاعة والقتال في سبيل الله تعالى وغيرها من المفردات.
الاغلال: جمع غلّ وهي القيود وهنا جاءت لمختلف انواع القيود(20).
7- رفع الاختلاف بين الناس والهداية الى سبل السلام واتمام الحجة على الناس.

النتيجة:
بعد كل هذا البيان لمجمل صفات النبي (ص) واهداف نبوته اسلوب تبليغه الرسالة للناس ينبغي ان ندرك ان ذلك كله لابد ان تتسم به سيرته المشرفة وينعم المسلمون بمعطياتها ويظهر فيها واضحاً اثر تلك الصفات المميزة لشخصية رسول الله (ص) وهذا نوع انسجام بين الناتج والملكات لكنه في الوقت نفسه لا يعدم كون قول رسول الله (ص) وفعله وتقريره هو سنة ووحياً (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)(سورة النجم: 4). وهذا هو التسديد المميز.

والحضارة الاسلامية هنا تؤكد على الانسان ودوره الفاعل في بناء حاضره ومستقبله فكلما ارتفع بمستوى هذه الاهداف استطاع ان يحقق الكثير لاظهار الصورة المشرقة لقيم هذا الدين التي تؤسس لمجتمع متطهر ونظام اجتماعي يكفل الفقير ويعين الضعيف ويحترم الحريات المنضبطة ويحقق المساواة ليسود العدل بين الناس وتعمّ فيه قيم التعاون والوحدة والسلام والانسجام التي تحفظ للانسان كرامته وعزته .
وقد عرض الاخوة الحضور بعض المداخلات وتوجهوا باسئلتهم حول الموضوع في مناخ علمي تداولي .

اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم