الصحيفة السجادية في بعديها العقائدي والاخلاقي/السيد محمد العربي البقالي



بحث حول موضوع : الصحيفة السجادية في بعديها العقائدي والاخلاقي

مقدمة :

تعتبر الصحيفة السجادية من الاعمال التي أصبحت تصنف ضمن نطاق التراث الانســــاني لما تشتمل عليها من أبعاد إنسانية – تجاوزت الابعاد الدينية، وإن كنا نعتقد أن الدين هو انساني في عمقه وأصله مصداقاً لقوله تعالى : ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر النــــاس عليها ﴾. الروم. 30 - تضمنتها كل المحاور التي تتشكل منها، وهي كما يبدو من إسمها تعــــود الى صاحبها الامام علي بن الحسين (ع) المعروف بزين العابدين والسجاد...
ولذالك نرى انه من المعقول وقبل ان ندخل في الحديث عن الصحيفة ومحاورها الاســاسية، ان نتطرق في هــــذه المقدمة الى شخصية صاحبها وآراء علماء المسلمين بشأنه، والظروف التي ولدت الصحيفة في ظلها، والدور التي أدته على جميع المستويات وخــــــاصة في مجتمعها الذي ظهرت فيه.

كلمة حول الامام علي بن الحسين : (ع)
أ – إسمه وكنيته : هـــــو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو محمد، وأبو الحسن، وأبو الحسين، وأبو عبد الله، ويلقب بزين العابدين وبذي الثفنات والزكي والأمين، (1) وسماه رســـــــول الله (ص) سيد العابدين. (2)

ب – ولادته
ولد زين العابدين في شهر شعبـــــــــــان من سنة 38 للهجرة على ما ذكر صاحب الشيعة في الميزان، ووافقه على ذالك الذهبي في سير أعلام النبـــــــــلاء، والسبط بن الجوزي في تذكرة الخواص. (3)

ت - إمامته :
الامام زين العابدين (ع) هــــو الامـــام الرابع من أئمة أهل البيت، (ع) ولم يجمع الشيعة على إمامته فحسب كما نقل ذالك الشيخ المفيد حيث قال : واتفقت الامامية على أن رســول الله (ص) نص على علي بن الحسين، (ع) وأن أباه وجده نصا عليه كما نص عليه الرسول، (ص) وأنه كان بذالك إماما للمؤمنين. (4) بل إن الزيدية القدماء كانوا يلتزمون بإمامة السجاد، (ع) وقد ذكر الشهرستاني ذالك في معرض حديثه عن الاختلاف في الامــامة، وعمن قال بالنص على الحسن والحسين بقوله : ثم اختلفوا، فمنهم من أجرى الامــــــامة في أولاد الحسن، (ع) فقال بعده بإمامة ابنه الحسن المثنى، ثم ابنه عبد الله...
ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين، (ع) وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين (ع) زين العابدين نصاً عليه، ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية بإمامة زيد... (5)
ولما تعرض بالذكر الى الجارودية باعتبارهــــا من الزيدية قال : فســـاق بعضهم الامامة من علي الى الحسن، ثم الى الحسين، ثم الى علي بن الحسين زين العابدين، ثم الى ابنه زيد... (6)
ففي هذا الكلام دليل واضح على التزام الزيدية ولو من الاولين منهم – تجدر الاشارة الى ان بعض المتأخرين من الجارودية أنكروا امامة الامام السجاد حتى عد ذالك مذهبهم خاصة بعد فترة الهادي الى الحق كما نقل ذالك الشيخ المفيد في : أوائل المقالات. ص 41 – بإمــــــامة علي بن الحسين (ع) زين العابدين.
وأما عن باقي المدارس الاسلامية الاخرى، فقد قال الذهبي في ترجمة الامام السجاد : (ع) السيد الامام، زين العابدين. (7) وقال سبط بن الجوزي في حق السجاد : (ع) وهـــو أبو الأئمة. (8)

ث - علمه وفضله وأخلاقه :
قلما تجد إجماعاً على شخص بما جمع في نفسه من أخلاق وخصال حميدة كإجماع النـــــاس على فضائل وأخلاق زين العبدين (ع) والخصال الحميدة التي حوتها نفسه الزكية، كيف لا وهــو لم يكن يفتر عن عبادة الله، يسبح له بالليل والنهار، يسعى في قضاء حوائج الناس، يعفو عمن أساء اليه، ويقابل السيئة بالحسنة... هكذا عرفه كل من عايشه، فوثقوا لنا ما عرفوه لتتناقله الاجيال ويعلمه القاصي والداني.
وهكذا نقل عن الزهري قوله : ما رأيت قريشياً أفضل من علي بن الحسين، (9) وما رأيت أفقه منه، (10) وكان مــن أفضل أهــــل بيته وأحسنهم طاعة، (11) وعلي بن الحسين (ع) أفضل الناس عليّ منة. (12)
ونقل عن يحيى بن سعيد الأنصاري قوله في السجاد : (ع) وكان أفضل هاشمي أدركته. (13)
وقال رجـــــــل لسعيد بن المسيب، ما رأيت أحداً أروع من فلان، قال : هل رأيت علي بن الحسين؟ قال : لا، قال : ما رأيت أحداً أروع منه. (14)
وعن أبي حازم قال : ما رأيت هاشمياً أفقه من علي بن الحسين. (15)
وقال زيد بن أسلم : ما رأيت فيهم مثل علي بن الحسين قط. (16)
وقال ابن سعـــد في الطيقات : وكان علي بن الحسين (ع) ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً. (17)
وقال ابن حجر الهيثمي في الصواعق : زين العابدين هـــــو الذي خلف أباه علماً وزهداً وعبادة، وكان إذا توضــــأ للصلاة اصفر لونه، فقيل له في ذالك، فقال : ألا تدرون بين يدي من أقف. وزاد أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. (18)
وروي عن عائشة أنها قالت : رأيت علي بن الحسين ساجداً في الحجر وهـــــو يقول : عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فما دعوت بها في كرب الا وفرج عني. (19)
وقال موسى بن ظريف : استطال رجــــــــل على علي بن الحسين (ع) فتغافل عنه، فقال له الرجل : إياك أعني، فقال له علي : (ع) وعنك أغضي. (20)
وعن شيبة قال : لما مات علي بن الحسين (ع) وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة. (21)
هـــــــــــذه عينة من المواقف سقناها لتكون شاهداً على ان المسلمين قاطبة بجميع مذاهبهم، يعلمون حقيقة الامــــــــــام السجاد (ع) في خلقه وورعه وزهده وحلمه وكرمه وجوده وتقواه وخشيته من ربه... حتى تكون حجة على الجميع في إمامته، والا فان الامــــــام (ع) غني عن هذه الشهادات، فتكفيه شهادة جده الرسول الأكرم (ص) الذي وصفه بسيد العابدين كما نزل بذالك الوحي من عند رب العالمين.
ظروف الامامة والصحيفة :
لو تأملنا دورة النبوة جيدا ودور كل نبي فيها، لاتضح لنـــــــــــا أن كل نبي اطلع بمهمة خاصة تقتضيها الظروف الزمانية والمكانية التي وجد ضمنها دون ان يغير ذالك من الدور الرســـــــالي العام في شيء، وهكذا الامر مع دورة الامامة كذالك، فلكل إمـــــــام دوره الخاص وفق ما تقتضيه الظروف التي عايشها، يسطر فيها اسلوب العمــــــــــــــــل الذي يراه مناسباً لتحقيق الاهداف الرئيسية.
والامــــــــــام السجاد (ع) تسلم الامامة في ظروف كانت صاخبة ودموية، حيث أن واقعة الطف التي عرت عن حقيقة النظام الامـــــــــــوي الظالم، لم تكن الا لتفتح أعين الناس على طغيان هـــــــــذا النظام وجبروته، فألهبت حماستهم للقيام بثورات ضده، وهكذا كانت ثورة التوابين، وثورة أهـــــل المدينة، ثم ثورة المختار الثقفي، وثورة المطرف بن المغيرة، فثورة عبد الرحمان بن الأشعث، مما جعل النظام الأموي يزداد شراسة في التعامــل مع معارضيه وخاصة أهل البيت (ع) باعتبارهم هم من فتحوا هذا الباب على النظام،وباعتبار مكانتهم بين الناس، فقرروا التضييق عليهم ومراقبتهم عن قرب، وهنا لم يكن أمام الامــــــــــام السجاد (ع) لكونه صوت كربلاء السياسي بد من اختيار الطريقة التي تتلاءم مع هذا الوضع المعقد لممارسة دوره كإمام.
وهكذا فإن الامــــــــام السجاد، (ع) وأمام التضييق الذي تعرض له، والمراقبة اللصيقة التي أخضعته لها عيون النظام الأمــــــوي والذي وصل به الأمر الى اعتقاله ووضعه تحت الاقامة الجبرية في وقت محدد، حتى حجبوا عنه فرصة التواصل مـــع الناس، رأى أن الطريقة المثلى في أداء مهمة الامامة على أتم وجه، تكمن في تحويل رسالة الاسلام وخاصة في الجانب التواصلي من رسالة شفوية تنظيرية، الى رسالة عملية صامتة تكمن في تمثلها في الذات، فأصبح هو ذاته عبــــــــادة تسير بين الناس، بل إسلاماً يمشي على قدمين ومجسداً على أرض الواقع، فكانت الصلاة والصوم والزكاة والصدقة والصدق والحلم والعــلم... نوافذ يطل من خلالها على الناس، وبالخصوص عبـــادة الحج التي تعتبر اهم تجمع بشري للتواصل مع الآخر، وهكذا استطاع ان يتواصل مع الناس، ويعيد قضية الاسلام الى الواجهة بعد أن عمل النظام الامـوي كل ما في وسعه لإطفائها، فاكتسبت هذه القضية تعاطفاً جماهيرياً كبيراً.
لكن نجم هــــذا الأسلوب والمنهج في ممارسة الامــامة، تمثل في البكاء والدعاء، فالبكاء الذي لم يستطع الكثير من الناس تقديره حق قدره والذي طغى على حياة الامـــــام السجاد (ع) كما تحكي بعض الروايات، (22) كان هو السلاح الناجع في الإبقاء على واقعة الطف حية، ذالك ان النظام الأموي كان يسعى بكل ما أوتي من قوة الى مسح واقعة كربلاء من الوجود، وإلغاء كل من يتعرض لها بالذكر لما جلبت له من متاعب، فوجد الامــــــــام السجاد (ع) في البكاء فرصة لمواجهة سياسة الأمويين في طمس معالم هذا الحدث العظيم.
وأما الدعاء فكان الاسلــــــــــوب الامثل للإبقاء على قيم وتعاليم الاسلام قائمة، حيث كانت تتعرض لحملة تشويه ممنهجة من طرف النظام الامــــــوي الذي أراد أن يستبدلها بمنظومة قيم جديدة تدعم حكمه، وتعمل على تثبيته بين النــــاس، فأصبح التوحيد مهدداً بفعل عقائد الجبر والتجسيدوالتجسيم، وصارت الاخلاق موضع هجوم من قبل حياة الفسق والمجون والشذوذ التي سنها البلاط الأموي في الناس. وهنا يأتي دور الصحيفة السجـــادية التي أنشأها الامــــام السجاد (ع) والتي تضمنت ادعيته التي لم تترك مجالاً من المجالات الا تناولته بالاهتمام، فجاءت مفعمة بمعاني التوحيد والوحـدانية
والتنزيه والشكر والحمد والتوكل والتسليم والانقياد... لصيانة العقيدة الاسلامية مـــن محاولة التحريف الاموي التي كانت تقصدها، والصدق والحلم والعفــو والاخلاص والتآخي والإيثار والمساواة ورفض الظلم.. لحماية الاخلاق الاسلامية من الاستلاب الاموي الذي كان يريد ان يفرغ الاســـــــــلام من مضمونه باسم الاسلام، فجاءت الصحيفة لتكشف هذا المخطط المدسوس، ولتعمل على حماية المنظومة القيمية الاســـــلامية، فتلقفها الناس بحب وشغف، وأقبلوا على حفظ وترديد كل مضامينها، وفهمـــــوا رسائلها المشفرة التي أرسلت اليهم لرفض تسلط بني أمية، فصار الاسلام بذالك محفوظاً من التزوير والتحريف.
إن الصحيفة السجادية كما علمتَ، لم تكن مجرد مجموع أدعية تقرب المسافة بين العبد وربه، بل كانت عبارة عن كتاب حفظ فيه دين الله، واحتوى على محـــــاور تعددت بتعدد محاور الاسلام، وهي من هذا الجانب جديرة بالدرس والتحليل، ونحن في هذا المقام سنعمل على دراسة محورين وبعدين من هــــــــذه المحاور والأبعاد بما يقتضيه مضمون البحث، إنهما البعد العقائدي والأخلاقي لهـــذه الصحيفة الجليلة العظيمة،حيث سنعقد لكل منهما فصلا خاصاً بما تقتضيه قيمتهما في حياة المسلم، وإبرازاً لدور الصحيفة في الابقاء على اهميتهما بين الناس.

الفصل الأول : البعد العقائدي في الصحيفة السجادية :
يمثل الجانب العقائدي الثقل الأكبر في الرســــالة الاسلامية، حتى إن الخطاب الاسلامي في بداية الدعوة اعتمد على هذا الجانب لتحرير الانسان مــــــــــن عبودية الجاهلية، واستغلاله جنسياً وتجارياً وعسكرياً... لصالح الطبقة المستفيدة التي كانت تستغل هــــذا الوضع لتقوية نفوذها، فجاء الاسلام عبر قضايا العقيدة ليدعو الى الغاء التمييز وإقرار المساواة بين النـاس، والعمل على إثبات العدالة والحرية داخل المجتمع.
غير أن الطبقة المستفيدة والتي تضررت مصالحها جراء هـــــذا الخطاب، لم تكن لتستلم له بسرعة، ولقد عملت على محاربته بكل ما أوتيت من قوة،فظلت تقاومه مدة قاربت العشرين عاماً أو يزيد، ولما لم تجد الى هزيمته سبيلاً، قررت الدخول في الاسلام لنقل معركتها هـــــذه الى داخله – كما هو شأن ابي سفيان – مستعملة قيم المجتمع الجاهلي لحسم المعركة لصالحها.
لذالك وعندما تمكن معاوية من رقاب المسلمين ووضع يده على الشأن الاسلامي، اول ما قام به، إعادة قيم الجـــــاهلية الى المجتمع الاسلامي ليحكم قبضته أكثر على الأمة الاسلامية، فكان أن بدأ بالجانب العقائدي لما له من اهمية كما أشرنا الى ذالك سابقاً، حيث كان هـــو أول من أحدث نظرية الجبر في الاسلام (23) لتبرير سياسة النار والحديد التي انتهجها في النــــــاس وخاصة المعارضين منهم، وليحيل مسؤوليته في قتل النــــــاس وتشريدهم واطهادهم الى قدرهم المحتوم الذي لا يملكون أمامه سوى التسليم والانقياد حتى لا يعتبروا كفاراً.
بل إن الأمويين جعلوا من قضية الجبر مرجعاً لمنهجهم السياسي، فكانوا كما قال صاحب تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام : يحبذون مقالة الجبر لموافقتها لموقفهم السياسي، مــــن حيث أنها تؤيد ما يذهبون اليه من ان الله قد أراد وقدر أن يصل الامـــــــــــــويون الى الخلافة وحكم المسلمين. (24)
وقد أحكم بذالك الامويون قبضتهم على عقول الناس ومن خـــــلالها على أبدانهم، مما مهد لهم الطريق الى قتل خيرة الصحابة ثم ارتكاب جريمتهم البشعة في حــق الحسين (ع) بكل بساطة دون أن يوجد من يستنكر عليهم ذالك.
غير أن ذالك لم يكن ليمر دون أن يخرج له الامـام السجاد (ع) ليفضح زيفه ويكشف زوره، فقد أظهر ذالك حين رد على كلام ابن زياد حينما نسب قتل علي الاكبر (ع) الى الله فقال له : بل قتله الناس، ثم تلا قوله تعالى : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾. (25)
في ظل هــــــــــــــــذه الاجواء التي ميزت عقائد الناس في فترة الامويين، ظهرت الصحيفة
السجادية،وهنا تكمن اهميتها وعظمتها، حيث ان هذا السياق يكشف انها لم تكن كما اسلفنا مجموع ادعية فحسب، وانما كانت ثورة هـــــــــــــــــــــــادئة تصحيحية تصدت للفكر الخنوعي والاستسلامي الذي بثه الامويون في الناس، وخـــاصة في الجانب العقائدي، حيث اعادت الامـــور الى نصابها، وعملت على تثبيت نفس المفاهيم العاشورائية التي وقفت ضد مشروع العودة بالاسلام الى الجاهلية الاولى ولكن من خلال الادعية في شقها العقائدي كما سنوضح ذالك من خلال نماذج من هذه الادعية في نفس هذا المقام.
إذا عرفتَ هــــذا فإن الصحيفة وفي بعدها العقائدي، قد همت كل محاور هـــذا الموضوع سواء تعلق الامر بباب التوحيد والنبوة والمعاد والإمامة... وكأنها رسول صامت يعيد نشر الاسلام من جديد بعد أن غيبته يد العبث الأموي، ونحن سنعرض لنماذج من هـــــــــذه الادعية بما يقتضيه الاختصار المطلوب في هذا المقام، وبما يمثل بعضاً من هذه الأبواب.

أولا : باب التوحيد :
إن الاعتراف لله بالوحدانية والربوبية، بالاضافة الى ما فيه من تكريم للإنسان في مـــــــواجهة الاصنام والمخلوقات الكونية، فهو يحتوي ضمنياً على مـــــــــــفهوم المساواة بين الانسان وأخيه الانسان مادام المعبود واحداً وهو الله صاحب القدرة والعظمة، وهـــــــــو الخالق، بينما الباقي مخـــــلوقات لا يستقيم عبادة بعضها لبعض، واستغلال الطبقة المستفيدة للطبقة الضعيفة عبر استعبادها بأفكار تغتال العقل وتسلم جسد المستضعف الى القوي ليتصرف فيه كيف يشاء، وهذا ما جاءت الصحيفة لتواجهه وتحاربه، وتنبه الناس الى مخاطر الثقافة الاموية في هــــــذا المقام وخطورتها على الاسلام والناس.
من هنا فإن الصحيفة أتحفتنا بأدعية كلها رسائل مشفرة تدعو الى التمرد على الواقع الجـــاهلي الجديد، من ذالك وفي مقام :

أ – الوحدانية والربوبية :
الحمد لله على ما عرفنا من نفسه... وفتح لنا من ابواب العلم بربوبيته، وجلنا عليه مــــــــن الاخلاص في توحيده...
اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً، وأشهد سماءك وأرضك، ومن أسكنتهما من ملائكتك وسائر خلقك في يومي هذا وساعتي هذه وليلتي هذه، إني أشهد انك انت الله لا اله الا انت.
لا يجير يإلهي الا رب على مربوب.
اللهم رب الارباب، وإله كل مألوه... ليس كمثله شيء، انت الله لا اله الا انت، الأحد المتوحد، الفرد المتفرد.
اللهم اني وان لم أقدم ما قدموه من الصالحات فقد قمت توحيدك.
أسألك يامولاي سؤال من لا رب له غيرك.

ب – الشرك والإلحاد :
الحمد لله عل ما ... ما جنبنا من الإلحاد والشك في أمره.
تعاليت يالهي عن الأسباه والأضداد، وتكبرت عن الأمثال والأنداد، فسبحانك لا اله الا انت.
تقدست اسماؤك عن المنسوبين.
انت الذي لم يعنك على خلقك شريك ولم يوازرك في امرك وزير، ولم يكن لك مشاهد ولا نظير.
انت الذي لا ضد معك فيعاندك، ولا عدل لك فيكاثرك، ولا ند لك فيعارضك.
ت – الذات الالهية والصفات :
الحمد لله الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين.
أنت الله الذي قصرت عن الأوهـــــــام عن ذاتيتك، وعجزت الأفهام هن كيفيتك، ولم تدرك الأبصار موضع أينيتك، أنت الذي لا تحد فتكون محدوداً، ولم تمثل فتكون موجوداً، ولم تلد فتكون مولوداً.
سبحانك، لا تُحَس ولا تُجَس ولا تُمَس...
أنت الذي لا يحويك مكان...
ضلت فيك الصفات وتفسخت دونك النعوت...

ث – التسبيح والتقديس :
اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون عن تسبيحك، ولا يسأمون من تقديسك...
إلهي... أسألك باسمك العظيم الذي أمرت رسولك أن يسبحك به...
ج – الاسماء الحسنى :
تقدست أسماؤك عن المنسوبين... يارب العالمين.
أسألك اللهم بالمخزون من أسمائك... الا رحمت هذه النفس الجزوعة، وهذه الرمة الهلوعة...
ح – الأول والآخر :
الحمد لله الأول بلا أول كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده.
كذالك أنت الله الأول في أوليتك، وعلى ذالك أنت دائم لا تزول.
أنت الله لا إله إلا أنت... القديم... وأنت الله لا اله الا انت... الدائم الأدوم، وأنت الله لا اله الا انت، الاول قبل كل احد، والآخر بعد كل عدد.
خ – القادر :
قدرته التي لا تعجز عن شيء وإن عظم، ولا يفوتها شيء وإن لطف.
ذلت لقدرتك الصعاب... وجرى بقدرتك القضاء...
اللهم وناصيتي بيدك... ولا أستطيع مجاوزة قدرتك...
كم نهي لك قد أتيناه، وأمر قد وقفتنا عليه فتعديناه، وسيئة اكتسبناها وخطيئة ارتكبناها كنت... القادر على إعلانها فوق قدرة القادرين.
د – القضاء والقدر :
اللهم وألهمنــــــــــــــــا معرفة الاختيار، واجعل ذالك ذريعة الى الرضا بما قضيت، والتسليم لما حكمت... ولا تسمنا عجز المعرفة عما تخيرت فنغمط قدرك، ونكره مـــوضع رضاك، حبب الينا ما نكره من قضائك، وسهل علينا ما نستصعب من حكمك، وألهمنا الانقياد لما أوردت علينا من مشيتك، حتى لا نحب تأخير ما عجلت، ولا تعجيل ما أخرت، ولا نكره ما أحببت، ولا نتخير ما كرهت... انك تفعل ما تريد...
إلهي أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت، وقضيت فكان عدلاً ما قضيت...
ذ – العدل الالهي :
اللهم إن تشأ تعذبنا فبعدلك... فإنه لا طاقة لنا بعدلك...
إلهي... كان جزائي منك في أول ما عصيتك النار، فإن تعذبني فأنت غير ظالم لي.

ثانياً : النبوة :
إن النبوة هي الرحمة والهداية والتبيين والبشير والنذير وإخراج النـــاس من الظلمات الى النور... وهي حجة الله على خلقه، والاعتقاد بها أمـــــــــــر ذكرت به الصحيفة فقالت :
اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك...
اللهم فصل... على... اهل الامانة على رسالتك.
اللهم انك جعلته وحياً أنزلته على نبيك محمد صلواتك عليه وآله تنزيلا.
اللهم وان محمداً عبدك ورسولك... حملته رسالتك فأداها، وأمرته بالنصح لأمته فنصح لها.
اللهم في كل دهر وزمان أرسلت فيه رسولا، وأقمت لأهله دليلا من لدن آدم الى محمد صلى الله عليه وآله من أئمة الهدى وقادة أهـــــــل التقى على جميعهم السلام، فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان.
... محمد خاتم النبيين والمرسلين.
ثالثاً : الإمامة :
والإمامة هي الاستخلاف في الارض، وهي استمرار النبوة ورسالة الاســــــــلام في الناس، وهي حجة الله على خلقه كذالك، ووجوب الاعتقاد بها مما نبهت الصحيفة اليه كذالك فقالت في هذا الصدد :
اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علماً لعبادك، ومناراً في بلادك بعدأن وصلت حبله بحبلك، والذريعة الى رضوانك، وافترضت طاعته، وحذرت معصيته وأمـــرت بامتثال أوامره، والانتهاء عند نهيه، وألا يتقدمه متقدم، ولا يتأخر عنه متأخر، فهـــــــــــــو عصمة اللائذين، وكهف المؤمنين وعروة المتمسكين، وبهاء العالمين.
رب صل على أطائب أهل بيته الذين اخترتهم لأمرك وجعلتهم... حفظة دينك وخــلفاءك في أرضك وحججك على عبادك...
اللهم صل على محمد وآله كما شرفتنا به، وصل على محمد وآله كما أوجبت لنا الحق على الخلق بسببه.
اللهم صل على محمد وآله، وتولني في... موالي العارفين بحقنا والمنابذين لأعدائنا بأفضـــــــــــل ولايتك.
اللهم صل على أوليائهم... المنتظرين أيامهم، المادين اليهم أعينهم، الصلوات المباركات الزاكيات الناميات الغاديات الرائحات.
رابعاً : المعاد :
المعاد هو ذالك اليوم الذي ترجــــع فيه كل نفس الى الله، ثم توفى كل واحدة منها ما عملت وهم لا يظلمون، والاعتقاد بوجود هذا اليوم مما كرسته الصحيفة فجاء في ذالك :
اللهم ومتى وقفنا بين نقصين في دين أو دنيا، فأوقع النقص بأسرعهما فناء، واجــــعل التوبة في أطولهما بقاء.
اللهم ارزقنا خوف عقاب الوعيد، وشوق ثواب الموعود، حتى نجد لذة ما ندعوك به، وكأبة ما نستجيرك منه.
اللهم صل على محمد وآله... واكسنا به حلل الأمان يوم الفزع الأكبر في نشورنا.
هــــــذه عينة من الأدعية التي حـوتها الصحيفة السجادية في مقام العقائد، وقد اخترناها لك وسقناها مبوبة بحسب المحــــــــــــــــــاور التي تندرج فيها وفقاً لما وردت عليه في : الدليل الى موضوعات الصحيفة السجادية. (26) وهي كما ترى أدعية مفعمة بمفاهيم عقائدية تنسجم تمام

الانسجام مع ما جـــــــاء به النبي الأكرم (ص) في رسالة الاسلام، ولا غرابة في ذالك مادام الامــام امتداداً للنبي، وتكمن أهمية البعد العقائدي هـــذا في كونه جاء ليحمي عقيدة المسلمين في ذالك الوقت من خطر الاختلاط بباقي الثقافات الاخــــــــــرى والانفتاح عليها، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين أسلموا مع حملة ما سمي بالفتوحات الاســـــــــلامية، والذين لم تتح لهم الفرصة للتعرف على الاسلام المحمدي الاصيل إذ وجدوا أنفسهم أمام مفاهيم عقائدية جديدة أقرتها السلطة الأموية كبديل عن الاسلام، ومن جهة أخرى وكما أسلفنا فإن هــــــذه الأدعية جاءت للوقوف ضد محـــاولة التزوير العقائدي الذي شنها النظام الأموي على الاسلام بغرض تثبيت سلطته المهزوزة بعد واقعة الطف، والذي جهز لها جيشاً عرمرماً من الفقهــــاء والمحدثين والمفكرين الاســـــلاميين لتحقيق ما عجز عن تحقيقه بالسيف والمال، فكان كما أشرنا الى ان أحدث نصوصاً دينية مختلقة تؤسس لعقائد جديدة، وتفسيرات قرآنية تسير في نفس الاتجاه، وتعمل في نفس الآن على تبرير اغتصاب السلطة وأخذهـــــا من أصحابها الشرعيين، وقمع كل صوت معارض لهذا الاغتصاب، وفرض الحاكم على الناس بالقوة، وتهييء الرأي العام للقبول بكل هذه السياسة عبر أفكار عقائدية تؤكد أن كل ذالك هو من عند الله، ولا يملك المسلم الا التسليم له، والا عد من العصاة الخارجين عن الاسلام الذين يجب قتلهم باسم هـــــــذه العقائد الاسلامية المصطنعة.
ولقد نجحت الى حد كبير في استمالة الناس وغسل أدمغتهم، وإشــــاعة ثقافة الانهزام والخنوع في صفوفهم، وإبعداهم عن أهل البيت (ع) والتحريض ضدهم باعتبــــــارهم هم من تسبب في تمزيق وحدة المسلمين، حتى أن الإمـام السجاد (ع) عاش آثار هذه السياسة عن قرب، فلم يكن يستطيع التواصل مع الأتباع إلا لماماً، ولكنه توصل من خلال هـــــــــذه الخطة الحكيمة - التي يبدو ظاهرها انطواء وانعزال، لكن باطنها ثورة سلمية ملؤهـــــــــا الابتهال لله بالدعاء المشفر – الى قلب السحر على الساحر، فكان هذا الجانب من الصحيفة هو من عمل على تثبيت العقائد الاسلامية التي كانت تتلاطمها أمـــــــــــواج التزييف، وتصدى لحملة التشويه الاموي المقصودة، فكان من نتائجها أن قصد الناس بيت الامـــــــام (ع) للتزود أكثر، فبدأ يكسر الطوق رويداً رويداً، وازداد طلاب العلم والراغبون في تطوير مــــواهبهم العلمية من حول الامام (ع) ومن كل المشارب، فكانت فرصة أخرى لتعليم الناس هــــذه الادعية التي رسخت عقائد الاسلام في أذهانهم حتى غدت حصناً منيعاً انكسرت أمامه شوكة التزييف.
ليس هذا فحسب، وإنما الصحيفة في جانبها العقائدي، كانت الملجـــأ الذي لجأ اليه المسلمون للتعرف على حقيقة العقائد الاســلامية عبر التاريخ، وبالخصوص في تلك المرحلة التي عرف فيها الفكر الفلسفي الاســـــلامي تطوراً ملفتاً، حيث ظهرت مدارس كلامية عديدة، أثرت على الاستقرار العقائدي للناس، فصار السقوط في التشبيه والتجسيم أمراً سهلاً، والحيرة هي المهيمن على عقول الناس أمـام كثرة الآراء والمقالات العقائدية، مما جعل من الصحيفة في هذا المقام بالتحديد إماماً هادياً لكل الناس الى الطريق المستقيم، ودليلا الى الاسلام النقي الطاهر، لم يقتصر عمله على من تزامن وجــودهم مع ظهور الصحيفة، بل امتد الى الاجيال اللاحقة التي تلت ظهورها، وهكذا الى أن يرث الله الارض ومن عليها.
إن أخطر ما في دين الاسلام، هو الجانب العقائدي لما له من حساسية ارتباط هـــــــــذا الجانب بوحدانية الله وذاته وصفاته وأفعاله.. وهو جانب لا يمكن لأي كان أن يتناوله بالدقة مهما بلغ من العلم، إلا من أتاه الله من علمه من نبي وإمـــام... ممن جعلهم من خاصته وسماهم في قرآنه بالمخلَصين : ﴿ سبحان الله عما يصفون الا عبــــــــاد الله المخلصين ﴾. (27) وهنا تكمن أهمية البعـــد العقائدي في الصحيفة السجـادية، لأنها ليست ككل كلام، بل هي كلام الامـــــام السجاد (ع) الذي يعتبر امتداداً لكلام رسول الله الذي هو وحي من عند الله، فكانت الجواب الشافي، والحصن المنيع، والملاذ الآمن... عبر كل الأزمنة والعصور.


الفصل الثاني : البعد الأخلاقي :
لا يخفى على أحد ما للاخلاق من أهمية في دين الاســلام، الى درجة أن البعض يطلق على العبادة اسم الاخلاق لما يوجد من صعوبات التمييز بين موضـــــــــوع الاخلاق والموضوعات الأخرى، فالأخلاق كما تقتحم جميع المجــــــــالات، فهي تهم الانسان وكل الأبعاد المرتبطة به، علاقته بالله، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بباقي المخلوقات المحيطة به، وحيث أن الانســـان هــو محور هـــــذا الكون وأرقى مخلوق فيه، فإن الاهتمام به وبتهذبيه وتخليق حياته حتى يصل الى الكمال الانساني، كان هو رهان الدين بجميع مفرداته وعلى رأسها العبادة.
وإذا كانت الاخلاق هي ملكة إنسانية تحصل وفق التقيد ببرنامج تربوي، وأن موضوعها هـو الانســـــــان، فإن غايتها تكمن في خلق مجتمع إنساني تسود فيه القيم الانسانية التي تعمل على ترسيخ ثقافة التعـــــــــــــارف والتعاون والتعايش والاحترام المتبادل ما بين جميع أفراده وعلى اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، حتى يصبح هـــــــذا المجتمع وكانه الجسد الواحد، يكون الضامن لاستمرار القيم الانسانية فيه هو الاسلام باعتباره فطرة انسانية، والبعد الاخلاقي هو الموجه الرئيسي لهذه القيم والباعث للروح فيها.
من هنا يتضح إلحاح الاســــــلام على الاهتمام بالجانب الخلقي، حتى إننا وجدنا النبي الأكرم (ص) يقول : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكأنه حصر دوره الرسالي كله في هــذا الجانب لما له من اهمية، فكان أن أوصى بالتحلي بالخـــــلق الحسن والاهتمام بتمثله في الذات على جميع الأصعدة والمستويات، ذالك أن بناء مجتمع تسوده العدالة من مفهوم الاسلام،لا يرتكز على جانب ضمان الحقوق والحريات الفردية والاجتماعية عبر إنشاء لوائح تجريمية وعقابية فحسب، ولكن يرتكز بالدرجة الأولى على العامل التربوي الذي يحدث في الانسان وازعاً خلقياً يشكل بالنسبة له موجهاً داخلياً يســــاعده على احترام الذات والاخر... ومراقبة النفس قبل الوقوع في الخطأ، وهذا يعني ومن مـوقع الاخلاق اجتناب كل ما من شأنه أن يعــــــــود على الفرد والمجتمع بالضرر.
لكن هــــذا العمل الذي نسميه بالعمل الإصلاحي، لا بد وأن يصطدم في النهاية مع مصالح البعض، لأن الاصلاح يستهدف دائماً الفساد، والفســـــاد سلوك موجود بأيدي طبقة من الناس تستفيد من انتشاره في المجتمع، ففي المجتمع الجاهلي الذي أتى الاســــــــلام لتصحيح بعض الظواهر الفاســــدة فيه، كانت الدعارة مصدر ربح بالنسبة لبعض الاسر المشهورة، وكذالك كانت الربا والميسر والقمار والرق... ومحاربتها مـن لدن الاسلام كان يعني مواجهة هذه الأسر، وهو ما حدث بالتحديد ولمدة طويلة، بل إن بعض هــذه الاسر وكما أسلفنا لم تستسلم بعد أن خسرت المعركة على المستوى العسكري، بل دخلت في الاســــــلام كتكتيك لنقل معركتها الى داخله، ولا زال ماثلا بين أسماعنا قول ابي سفيان لبنيه : يابني عبد مناف، تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. (28)
وهذا ما وقع بالضبط بعد أن وصل معاوية الى سدة الحكم، حيث حول المجتمع الاسـلامي الى ما أسميناه في أحد مباحث كتابنا الموسوم بعنــوان : فاطمة الزهراء، عنون لقيمة المرأة في الاسلام. (29) حيث عمل على تمييع الحياة العامة، وحــارب معظم الاخـــــلاق التي أقرها الاسلام، فكان النظام الامـــــــوي اول من أدخل الغناء الى بلاد الاسلام،وأعاد تنشيط تجارة الرق،وشاعت الدعارة من جديد في بلاطه ومن ثم الى المجتمع،وصار السكر العلني والتظاهر به ديدن معظم حكامه،ولم يكن كل ذالك عملاً عفوياً، بل كان في سياق مشروع الغاء الاسلام، إذ لولا عاشوراء الحسين (ع) الذي تصدت لهذا المشروع، لكان الاسلام في خبر كان.
والامـــــام السجاد (ع) باعتباره صوت عاشوراء، كان يعي وعياً تاماً طبيعة هذا المشروع، وطبيعة الظروف المحيطة به آنذاك، لذالك كان لا بد له أن يقوم بدوره كإمـــام في إصــــلاح هذا الوضع الأخلاقي الفاسد من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان أن قدر أنَّ أفضل طريق لتنبيه الناس من الأخطار التي ينطوي عليها المشروع الأمــــــــوي، وتذكيرهم

بأخلاق الاسلام وحثهم على التمسك بها، هـــــو طريق العبادة المتمثل في الدعاء، وهنا كان للصحيفة السجادية أن تسجل هــــذه الأدعية بمداد من ذهب، وتوثق لهـــذه اللحظة الفارقة في تاريخ المسلمين، خصوصاً وأن عملية التزوير كانت قد طالت السنة النبـــوية وهي جزء هــــــــام من مصادر التشريع الاسلامي، فجاءت الصحيفة في مقام الأخلاق بالتحديد ليس للتصدي للمشروع الاموي التمييعي فحسب، أو للإبقاء على مفاهيم الاسلام في هــــــــذا الصدد قائمة، ولكن لحفظ السنة النبوية التي كان الائمة (ع) قد وثقــــــوها في صحفهم من قبل، والتي لم يكتب لها النجــاح لتخرج الى العلن، فلعبت هذا الدور الكبير الذي لم ينتبه اليه الا القليل.
إذا عرفتَ هــــــــذا فإن الصحيفة السجادية في بعدها الأخلاقي، تركت لنا تراثاً زاخراً مـن الأدعية المفعمة بالمفاهيم الأخلاقية القرآنية، لعله من الأنسب أن نعرض لنماذج منها بمــــــــا يسمح به المقام كي نقف على سموها ورقيها وأبعادها، فإليك بعضاً منها :
اللهم صل على محمد وآله... واجعلني من أهل السداد ومن أدلة الرشاد، ومن صالحي العباد.
اللهم صل على محمد وآله، وتولني في جيراني وموالي العرفين بحقنا، والمنابذين لأعدائنا بأفضل ولايتك ووفقهم... للأخذ بمحاسن أدبك في... هداية مسترشدهم.
اللهم صل على محمد وآله، واجعل سلامة قلوبنا في ذكر عظمتك... اللهم ونعوذ بك من سوء السريرة.
اللهم لك الحمد... حمداً... باطنه وفق لصدق النية.
اللهم واعصمني من أن أظن بذي عدم خســــاسة، أو أظن بذي صــــاحب ثروة فضلا، فإن الشريف من شرفته طاعتك، والعزيز من أعزته عبادتك، فصل على محمــــد وآله... وأيدنا بعز لا يُفقد.
اللهم صل على محمد وآله، وحلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين في... إطفاء النائرة... وإصلاح ذات البين.
اللهم... واستعملني في مرضاتك عملاً أترك منه شيئاً من دينك مخافة أحد من خلقك.
اللهم... واكفني معرة العباد...
اللهم صل على محمد وآله... وأعزني ولا تبتلني بالكبر... اللهم صل على محمد وآله، ولا ترفعني في النــــاس درجة إلا حططتني عنـــد نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً الا أحدثت لي ذلاً باطناً عند نفسي بقدرها.
اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص وقلة القناعة.
اللهم صل على محمد وآله... وأجر للناس على يدي الخير، ولا تمحقه بالمن...
يإلهي جعلت ما سدد مردوداً عليه، فرددته لم يشف غيظه...
إلهي كم من حاسد قد... شجي مني بغيظه...
اللهم إني أعوذ بك من... غلبة الحسد...
اللهم اجعل مـــــا يلقي الشيطان في روعي من... الحسد ذكراً لعظمتك، وتفكراً في قدرتك وتدبيراً على عدوك.
اللهم... وأيدني منك... بصبر دائم.
... الهم ولو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه...
اللهم صل على محمد وآله... ووفقني لطاعة من سددني، ومتابعة من أرشدني، اللهم صل على محمد وآله، وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح...
اللهم وحل بيني... وبين هوى يوبقني...
اللهم صل على محمد وآله، ونبهني لذكرك في أوقات الغفلة...
اللهم إني أعتذر اليك... من عيب مؤمن طهر لي فلم أستره.
اللهم... فإني لم أصب خيراً قط إلا منك، ولم يصرف عني سوء قط أحداً غيرك.
اللهم إنا نعوذ بك أن نخذل ملهوفاً.
الحمد لله أغلق عنـــــا باب الحاجة إلا إليه، فكيف نطيق حمده؟ أم متى نؤدي شكره؟ لا، متى!؟
اللهم صل على محمد وآله، ووفقنا في يومنا هذا وليلتنا هذه وفي جميع أيامنا... لشكر النعم...
... يامن شكره فوز للشاكرين... صل على محمــــــد وآله، واشغل... ألسنتنا بشكرك عن كل شكر...
اللهم وكم من باغ بغاني بمكائده، ونصب لي شرك مصائده، ووكل بي تفقد رعايته، وأضبأ الي إضباء السبع لطريدته، انتظاراً لانتهاز الفرصة لفريسته، وهــــــــــــو يظهر لي بشاشة الملق، وينظرني على شدة الحنق.
اللهم صل على محمــــد وآله، وسددني لأن... أخالف من اغتابني الى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة...
اللهم صل على محمد وآله، واجعل القرآن... لألسنتنا عن الخوض في البــــاطل من غير ما آفة مخرساً، ولجوارحنا عن اقتراف الآثار جازماً.
اللهم صل على محمــــد وآله، وارزقني الرغبة في العمل لك لآخرتي... حتى يكون الغالب علي الزهد في دنياي.
اللهم صل على محمد وآله... واعصمني من الفخر.
هذه إذا بعض النماذج من الأدعية الواردة في الصحيفة السجادية في باب الأخلاق ومحاوره، وهي بمعانيها شاهد حي على الدور العملاق الذي أدته في مجتمعها التي ظهرت فيه.
ففي الوقت الذي كان فيه الأمويون قاب قوسين أو ادنى من تمييع الحياة بكل مجالاتها، إذ لم يعد في عهدهم لقيم الزهـــــد والقناعة والصبر والعفة والشكر والصدق والاخلاص والوفاء... معنى، كان الامام السجاد (ع) في الموعد ليعيد الاعتبار لهذه القيم، فحملتها الصحيفة الى كل الناس، فكان التذكير بها والتعليم والتلقين والتوجيه... دروساً ورسائل حوتها أدعية الصحيفة في غياب فرصة التواصل المباشر مع الناس، لتكون النتيجة حماية الاســــلام نفسه من خطر الاستلاب، والمجتمع من ظاهرة التفسخ والانحلال... التي أفشاها النظام الامـــوي في المجتمع الاسلامي باسم الاسلام، وهنا تكمن الخطورة، ويكمن ذكاء مــا جاءت به الصحيفة والطريقة التي جاءت بها، إذ أن أي مـواجهة مكشوفة مع هذا النظام كان مآلها الفشل ولا شك، لكن أن تكون المواجهة بصيغة التعبد لله، فهذا ما أعطى الصحيفة فرصة النجاح الذي لا مثيل له.
إن الصحيفة وفي بعدها الأخلاقي بالتحديد، لم تكن شكلا من أشكال التعبير عن تقوى الله والاخلاص له والانقياد لعظمته فقط، وإنما كانت عبـــارة عن منظومة قيمية إســـلامية نذرت نفسها لمواجهة منظومة قيمية جاهلية تبناها النظام الأموي بغرض محــــو الاسلام من أساسه، فهي بهذا المعنى امتداد لما جرى في عاشوراء بالتحديد من حيث الحفاظ على رسالة أبي عبد الله الحسين (ع) التي جهر بها هناك، ولها يعــود الفضل الكبير في التسريع بسقوط المشروع الأموي ودولته.
غير انه سيكون من المجحف حصر البعد الاخلاقي للصحيفة في هذه المواجهة الحضارية، بل إن دورها امتد الى أبعد من ذالك، فباعتبارها منظومة تربوية متكاملة، استطاعت أن ترسخ في الناس معنى الدعاء ومفهومه في الاسلام عبر التـــــــاريخ، وخاصة في الفترات التي تم فيها تحريف مضمونه واسلوبه وعلاقة ذالك بالتوحيد والشرك، كما أنها حـــــــــافظت على القالب الحقيقي للدعاء بعــــد ان لحقه التبديل والتغيير والتصرف، فبدأ ينسب الى شخصيات عاشت في فترات متأخرة عن فترة التنزيل، وكأن النبي لم يترك لنـــــــا ادعية بلفظه الشريف، فجاءت الصحيفة لتنقل لنا أدعية في باب الاخــــــــلاق عن الأئمة والنبي معنى أحياناً، ولفظاً ومعنى أحياناً أخرى، وشتان بين التعبد بما جاء به النبي وما ابتدعه الناس!
من جهة أخرى فإن الصحيفة في هذا الباب، ضمنت استمرار هذه المفاهيم في الناس بعد أن أوضحتها وفصلتها وذكرت بها لمن كان يحتاج الى الذكرى، وعرفت بهــــــــا لمن كان يجهلها بفعل التعتيم البغيض، ونقلت مع هــــــذا كله علوم أهل البيت (ع) المرتبطة بالقرآن الكريم الى كل الناس، ذالك أن التواضع والزهد والاخــــــــــــلاص والتضحية والايثار والتوبة والاستغفار والصدق والأدب... كأدبيات أخلاقية، لا تستقيم معانيها الحقة إلا إذا نقلها الامام عن الرسول الأكرم، لانه هو الوارث الحقيقي لعلم النبي، وهـــو الشخص الوحيد المؤهل لفهم القرآن الكريم وما يرتبط به من معـــــــــــارف، لأنه عدل القرآن، وهنا تكمن قيمة القيم الاخلاقية الواردة في الصحيفة السجادية، لانها تنقل تلك القيم التي تمثلها النبي والامام في ذواتهما، فكانت السبب في رفعهما الى مــــــقامات عالية، فهي بذالك ليست مجموعة تنظيرية صرفة، وانما تجربة إنسانية راقية، حولت الانســـــان من انسان الى ملك يمشي في الارض، وفتحت أعينه على معارف عرفانية رائعة، ولولا الصحيفة لكنا الآن محكومين بقيم أخلافية جــــــــــــــافة وخالية من روح الاسلام رغم احتوائها على نفس القالب.
من ناحية أخرى فإن الصحيفة في موضوع الأخلاق، أعطت – ومن خلال ارتباطها بصاحبها السجاد (ع) - زخماً عملياً لهذه القيم بعد أن ظلت ردحــــــاً من الزمن طويلاً حبيسة التنظير والانزواء والبعد عن التعرض للامتحان، في حين أن العــــــالم عرف على الارض معنى الحلم من خلال تجسيد السجاد (ع) له، والجــود والكرم والزهد والصدق والتواضع والإيثار والعفو والاستغفار والتوكل... كذالك، ولا شك أن هــــذه التجارب الميدانية عندما تصاغ في قالب لفظي رائع وفريد بليغ يحمــــــــل عنوان الدعاء، ويدون في صحيفة تنقله كمنظومة قيمية الى كل الناس، فإن هــــــــذا العمل سيكون له قيمة لا يمكن أن يحملها عمل غيره مهما أبدع في التزيين والتجميل، وهـــــــو ما انفردت به الصحيفة الشيء الذي انتقل بها من الألفاظ المجردة الى قيم مفعمة بالحياة.
إن الصحيفة أعطت معنى آخر للأخلاق مخـــــــــــالفاً لما اعتاد عليه الناس، فلقد وفقت أتم التوفيق في نقل قيم أخلاقية في قالب الدعاء تجمع مـــا بين الشكل والمضمون، وهو تحد ليس بالسهل، مما يعني ضمان استمرارية هذه القيم في حياة الناس وبالخصوص المتعبدين منهم الذين لا يفترون عن الدعاء والدين لا شك أنهم سيزدادون ارتباطاً به لما تحــويه الصحيفة من جمالية في اللفظ والروح، وما أحوج الناس الى التعرف على أخلاق الاسلام بالشكل الذي مارسه النبي الأكرم (ص) والائمة (ع) من بعده على الأرض، لأننا نتفق جميعــــاً على القيم الاخلاقية التي تحدث عنها القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول للتشريع، وهـــــــذه القيم كما القرآن كله تحتــــاج الى تفسير وتوضيح ممن اختصه الله لذالك، ولا شك أن أحسن التفسير والتوضيح هو ذاك الذي يجسد عملياً على الأرض،ويحمل طابع الحب والاخلاص والذوبان في القضية، وإذا مـا استحضرنا قضية أن الامــام السجاد (ع) كان ينفق على مائة أسرة سراً ولم يُعرف ذالك إلا بعد استشهاده وافتقاد تلك الأسر لمعيلها، فإننا سنتعرف بذالك على المعنى الحقيقي للجـــــود والكرم والصدقة في السر... والاخلاص في العمل الذي يبتعد عن الرياء، وهــذا هو النموذج الاخلاقي الذي ميز المنظومة القيمية التي نقلتها الصحيفة السجادية في الاخلاق، لذالك كانت مميزة ورائعة في بعدها هذا، وهذا ما ضمن لها النفاذ الى عمق الناس.


خاتمة :
إن تصنيف الصحيفة السجــادية في باب الأدعية وإن كان صواباً، فيه قصور عن الإحاطة بأبعادها، وتقزيم من حجمها الحقيقي، ويرجع ذالك في تقديرنا الى إغفـال الاهتمام بالظروف السياسية والاجتماعية... لتلك المرحلة التي ظهرت إبانها والدور الكبير الذي لعبه الامـــام السجاد (ع) في هـــذا الصدد، والبرنامج المرحلي الذي ارتضاه لهــــذه الظروف والتي كانت الصحيفة وثيقته الأساسية، ولو قدرنا ذالك حـــــق تقديره، لعرفنا أن الصحيفة كانت هي الوثيقة السياسية التي لعبت دور المعارضة للنظام الأمـوي في شقها العقائدي، والفكري، والثقافي، والاجتماعي، والأخــــــلاقي... فهي بذالك شكلت مشروعاً مجتمعياً متكاملا قاوم المشروع الأموي الجــــــــــاهلي، وكانت بحق الدراع السياسي لثورة الامام الحسين. (ع)
وأما مـــا يعنينا من هذه الثروة المعرفية المسماة بالصحيفة في مقام البحث، فيمكننا أن نجمل كل ذالك بالقول : إن الصحيفة في الجانب العقائدي، كانت مصنفاً ناذراً ومهماً وجامــــــعاً، ذالك ومع تعدد المصنفات والمؤلفات في باب العقائد، إلا أن مـــــا يميز الصحيفة كمرجع في هـــذا المقام، هو صدورها من الامام السجاد، (ع) وهـو أحد العارفين بالله، خاصة وأن باب العقائد من أعقد الأبواب المعرفية، ولا يمكن الإحــــــــاطة به إلا ممن ارتضاه الله من رسول أو إمام. فيكتسب هذا السفر العظيم قيمته المرجعية من هـــــــذا المنطلق، وتتزايد عظمته وقيمته بابتعادنا عن عصر التنزيل والأئمة، حيث نصبــــــــح عرضة لتعدد التيارات والمذاهب والقول بالآراء المجردة واتباع الأهواء،فيصبح – كما هو واقعنا – دعاة التوحيد هم المشبهون والمجسمون لافتقادهم لسفن النجاة، وبعدهم عن أئمة الهدى، فيؤلفون الأسفار الكثيرة في ذالك، ولا يهتدون الى الحق سبيلاً، وتختلط الأمور على الناس،ولا يبقى أمام من أراد الله به خيراً إلا الرجوع الى الصحيفة لاستنارة الطريق، وعبادة الله على أتم وجه بعد أن يقدره حق قدره، فيكون كمن اهتــــــــــدى بالبدر في الليلة الظلماء، وبالخصوص بالنسبة لأهل العـــــلم الذين يشتغلون بهذا المجال، والذين لا محيد لهم عن الاطلاع على الصحيفة لتحقيق المعرفة في باب العقائد، هـــــــذا الباب الذي تتوقف عليه كل المعارف الأخرى، بل عليه يتوقف مصير الانسان، إذ أن المعصوم يقول : لا إله إلا اهلا حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي. ثم قال: بشروطها وأنا من شروطها. فأنى للمرء أن يعرف شروطها وهـو لا يعرف الله! وأنى له أن يدخل حصن الله إذاك!
إننا وإذ قاربنا محور البــــعد العقائدي في الصحيفة، لم نشأ أن نتعرض لبعض الادعية في المقام بالشرح، لاننا تركنا هذا لشراح الصحيفة وهم كثر، وإنما غايتنا كانت إبراز اهمية هذا البعد في حياة الناس ماضياً وحاضراً ومستقبلاً كل حسب الظروف المُعِينة على تكييف هــــذا البعد، ولا نحسب أنفسنا إلا قد ساهمنا في توجيه القراءة والبحث نحو هـــــــذه الوجهة حتى تكون الفائدة أعم.
وأمـا ما قلناه في البعد الأخلاقي للصحيفة، فلا نعتقد انه يخرج عن النطاق العام الذي قاربنا به البعد العقائدي، وإنما غاية ما يمكن التنصيص عليه هنا، هـــــــــــو ان الصحيفة في عمقها الاخلاقي، تعتبر بمثابة ميثاق أخلاقي أعد من أجل التنبيه الى الأخطار التي كانت تحـــــاك بالاسلام في فترة الأمويين، حيث أن جوهر الاســــلام وروحه العملي المترتب عن العقيدة الاسلامية والمتمثل في الأخلاق، كان يتعرض لحملة تمييع كادت أن تأتي على الإســــلام لولا تدخل الصحيفة لتعيد الأمور الى نصابها.
كما أن الصحيفة بذالك صارت مرجعاً في ربط هــــذه القيم السامية بالجانب العملي، فنقلت لنا مفاهيم أخلاقية بالصوت والصورة كما يقال،اي عبارة عن مشاهد حية من حياة الامام السجاد, (ع) فأصبح فهمها سهلاً وبسيطاً، واستفاد مـــنها الجيل الحــاضر وسيستفيد منها الأجيال المقبلة، وخصوصا فيما يعود الى تصحيح كثير من المفاهيم الشائعة الخطأ، او المحرفة عن مواقعها، وتسويقها من بعض الكتب على انها اخلاق اســـــــــلامية، فجاءت الصحيفة لتتدارك كل ذالك، وتقدم لنا منظومة قيم اســـــــــــــلامية في قالب أدعية لا يمكن بجمالها وروعتها الا ان تجلب اليها المستمع قبل القارئ، ثم تبعث في ذهنه ووجدانه اخــــــــــلاقا اسلامية رائعة ما كان لكتب الاخلاق ان تقوم بذالك مهما تزينت وتجملت.
ونحن إذ ركزنا في مقام البحث في البعد الاخلاقي للصحيفة على إظهار هـــذا الدور بالتحديد دون ان ندخل في شرح الفقرات، إنما لوعينا بوجــــــــــود مؤلفات خاصة بشرح الصحيفة كما أسلفنا من قبل، ولوعينا بأن الإحاطة بالظروف التي نشأت فيها الصحيفة، سيخرجها مـــــن تلك الزاوية التي حشرها فيها البعض عن حسن نية حينما حصرها في باب الأدعية،وسيجعل منها بذالك وفي مـــــــــــقام الأخلاق واجهة من واجهات المشروع المجتمعي المتكامل والتي تمثله الصحيفة ككل، والتي لم تكن سوى روح الاســـــــلام الذي أوجده النبي الأكرم (ص) وأبقى عليه الامام الحسين. (ع)
إن الصحيفة السجادية هي بحق موســوعة شاملة، قدمت لنا معارف شتى ومتعددة، ومــــع وجود هـــذه الابواب المتفرقة المشارب، إلا أن حلقات الربط والتواصل فيما بينها لا يمكن أن يغفلها عقل دارس، أو حـس مبتهل، ولقد رأينا من أدعيتها الرائعة مـــا حمل مفهومي العقيدة والاخــــلاق في نفس الدعاء، في تناسق وانسجام يوحيان بوحدة المنشـــأ، دون أن يفقد كل منهما مبناه ومعناه.
أوليست روعة الأخـــــلاق تكتمل حينما تنشأ من عقيدة سليمة ثم توضع في قالب نستجيب من خلاله الى الله الذي دعانا لدعائه ثم يكتمل البهاء حينما يسمى هـذا القالب باسم أخذ من حركة تتجسد فيها معنى العبودية لله! هذه هي الصحيفة السجادية، وهــــــــــذه هي عقيدة وأخلاق صاحبها، فحق لها أن تتزين بحمل اسم صاحبها.
المصادرالمستعملة في البحث :
أوائل المقالات. الشيخ المفيد.
الشيعة في الميزان. محمد جواد مغنية.
جهاد الامام السجاد. محمد رضا الحسيني الجلالي.
الدليل الى موضوعات الصحيفة السجادية. محمد حسين المظفر.
فاطمة الزهراء، عنوان لقيمة المرأة في الاسلام. السيد محمد العربي البقالي.
تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والأعلام. شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي.
مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر. محمد بن مكرم المعروف بابن منظور.
تذكرة الخواص. للعلامة سبط ابن الجوزي.
تاريخ الأمم والملوك. لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري
تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام. محمد علي أبو ريان.
ينابيع المودة. سليمان بن ابراهيم الحسيني البلخي القندوزي الحنفي.
الامام زيد. محمد أبو زهرة.
الملل والنحل. الشهرستاني.
سير اعلام النبلاء. الذهبي.
خلاصة تهذيب التهذيب. صفي الدين احمد بن عبد الله الخزرجي.
حلية الاولياء. ابو نعيم احمد بن عبد الله الاصفهاني.
الصواعق المحرقة. ابن حجر الهيثمي.
الطبقات. لابن سعد.


*) السيد محمد العربي البقالي
كاتب وباحث في القضايا الدينية والاجتماعية



الهوامش:

(1) الشيعة في الميزان. محمد جواد مغنية. الطبقات لابن سعد. ج 7. 209. سير أعلام النبلاء. ج4. 386. تذكرة الخواص. 432.
(2) عن جابر انه كان جالسا عند رسول الله (ص) والحسين (ع) في حجره وهو يداعبه فقال : « ياجابر، يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده ». الصواعق المحرقة. 281. ينابيع المودة. الباب الثالث والستون. 419.
(3) الشيعة في الميزان. محمد جواد مغنية. 171. سير اعلام النبلاء. 4. 388. تذكرة الخواص. 324.
(4) أوائل المقالات للشيخ المفيد. 41.
(5) الملل والنحل. ج1. 19. 20.
(6) نفس المرجع. 157 سير أعلام النبلاء. ج4. 386. سير أعلام النبلاء. ج4. 386. (7)
(8) تذكرة الخواص. 324.
(9) سير أعلام النبلاء. ج4. 387. مختصر تاريخ دمشق. ج17. 231.
(10) خلاصة تهذيب التهذيب. 273.
(11) مختصر تاريخ دمشق. ج17. 234.
(12) الطبقات. ج7. 212.
(13) مختصر تاريخ الاسلام. ج17. 235. سير اعلام النبلاء. 4. 391
(14) تذكرة الخواص. 331.
(15) مختصر تاريخ دمشق. ج17. 240.
(16) تاريخ الاسلام. ج6. 433.
(17) الطبقات. ج7. 219. الامام زيد. 33.
(18) الصواعق المحرقة. 279.
(19) تذكرة الخواص. 331.
(20) مختصر تاريخ دمشق. ج17. 244.
(21) حلية الاولياء. ج3. 136.
(22) سئل علي بالحسين عن كثرة بكائه، فقال : لا تلوموني، فان يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم انه مات. وقد نظرت الى اربعة عشر رجلا من اهل بيتي يذبحون في غذاة واحدة، افترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟!. مختصر تاريخ دمشق. ج17. 239. حلية الاولياء. ج3.
(23) جهاد الامام السجاد (ع) 89.
(24) تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام. 149.
(25) الزمر. 42.
(26) الدليل الى موضوعات الصحيفة السجادية. محمد حسين المظفر. 9. 70.
(27) الصافات. 159.
(28) تاريخ الطبري. -8. 185.
(29) فاطمة الزهراء، عنوان لقيمة المرأة في الاسلام. ص69.

اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم