تبوك تشخص تيارين: المؤمنين والمنافقين/الدكتور علي رمضان الأوسي

دروس اجتماعية في تفسير القرآن الكريم
في المركز الاسلامي في انجلترا
يلقيها الدكتور علي رمضان الأوسي

تبوك تشخص تيارين:
المؤمنين والمنافقين

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ، لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ، مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ، أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)( 1).

بعد الحديث عن المنافقين وخطرهم على الرسالة والرسول (صلى الله عليه وآله) تتحدث هذه الآيات القرآنية عن تصديق المؤمنين برسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحملهم مكاره النفير الى تبوك، وقد أوضحت الموقف من المشركين وقضية الاستغفار لهم، وتداعيات التوبة، والنفر لأجل العلم والتفقه، وتأثير نزول السور القرآنية على قلوب المؤمنين والمنافقين وتختم سورة التوبة في الآيتين الاخيرتين حول خصائص في الرسول (صلى الله عليه وآله) تجاه أمته ورسالته.

الله سبحانه يبرم عقداً مع مخلوقيه:
تجسد الآية (111) من هذه السورة البيع مع الله سبحانه من خلال عقد مبايعة، فالمشتري هو الله جلا وعلا والبائع هو المؤمن والمتبايع عليه هي الانفس والاموال التي مالكها الحقيقي هو الله سبحانه، اما ثمن المبايعة لمن يفوز بالعقد فهي الجنة.
على ان يكون القتال مخلصاً في سبيل الله سبحانه ليتحقق الفوز العظيم الذي لا فوز اعظم منه ولا يقارنه شيء، وهذا ليس عقداً فحسب بل كان وعداً أخذه الله على نفسه حقاً قاطعاً ذكر مثله في التوراة والانجيل وهذا يكشف عن ان الجهاد كان مفروضاً على تلك الأمم كذلك كما هو مفروض على المسلمين. وهذا العهد ليس هناك أحد أوفى به من الله سبحانه، وحين تُستوفَى شروط البيع الناجح تأتي البشارة من الله سبحانه: (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به).

صفات تسع في هؤلاء المؤمنين:
روي في الكافي: ان عباد البصري لقي الامام زين العابدين (عليه السلام) في طريق مكة فخاطب الامام: تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينته فقال الامام (عليه السلام): إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج( 2)، في اشارة الى هذه الصفات التسع.
فالآية (112) من السورة تبين صفات هؤلاء المؤمنين الذين يحق لهم ان يعقدوا الصفقة الفائزة مع الله سبحانه الذي هو خالقهم ورازقهم حتى يتم لهم الجزاء القطعي من الله سبحانه وهو الجنة:
1-التابئون: الراجعون الى الله من الذنوب والمعاصي.
2-العابدون: المخلصون في عبادتهم لله سبحانه.
3-الحامدون: الشاكرون لله على جميل ثنائه في السراء وفي الضراء.
4-السائحون: السائرون المسافرون للعظة والاعتبار، ومنه: الجهاد في سبيل الله.
5-الراكعون: المقيمون للصلاة بركوعهم بأبدانهم.
6-الساجدون: المقيمون للصلاة بسجودهم بأبدانهم.
7-الآمرون بالمعروف: الداعون الى الخير والرشد والهدى.
8-الناهون عن المنكر: المانعون للفساد المكافحون للشر.
9-الحافظون لحدود الله: المحافظون لأوامر الله المجتنبون لنواهيه.
فاذا ما جُمعت هذه الصفات فأنّها تضنعُ من صاحبها مؤمناً مصدقاً بالله وبنبوة نبيه (صلى الله عليه وآله) وتكون له البشارة بالمكانة الرفيعة عند الله سبحانه (وبشر المؤمنين).
وتجمع هذه الصفات بين الحالة الفردية والاجتماعية في هذه الممارسات، ولا تتوقف عند الفرد الواحد فتيار المؤمنين يشكل ظاهرة اجتماعية ايجابية ومؤثرة.


لمن حق الاستغفار؟
روي ان جماعة من المسلمين طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يستغفر لآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية.
فجاءت الآية المباركة لتحدد حق الاستفغار فليس للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا للذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين الذين ماتوا على شركهم فلا يمكن طلب المغفرة لهم حتى لو كانوا أولي قربى.
اما ما روي في الدر المنثور من ان الآية نزلت في مؤمن قريش (أبي طالب) عليه الرحمة فلا معنى لها، فهي معارضة بتاريخ نزول آية التوبة وتاريخ وفاة أبي طالب (رضوان الله عليه) كفيل النبي (صلى الله عليه وآله) وحاميه وعمه وأبي مولى الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث ان وفاته كانت في مكة قبل الهجرة، امّا سورة التوبة فهي من أواخر ما نزل في المدينة.
ويُشمّ من هذه الرواية الوضع الأموي في تزييف التاريخ وتغيير الحقائق إضافة الى الطعن في سندها من خلال (سعيد بن المسيب).

ما حقيقة استغفار إبراهيم لآزر؟:
لقد استغفر ابراهيم (عليه السلام) لوالديه وكان في اواخر عمره الشريف: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) (3)، بينما لم يستغفر لعمّه (آزر) بعد موته، وقد روي عن ابن عباس قال: لم يزل ابراهيم (عليه السلام) يستغفر لأبيه (عمّه آزر) حتى مات، فلما مات لم يستغفر له وقد تبين له انه عدو لله ولم يتب عن الشرك بالله سبحانه(4 ).
ولفظة (أب) عامة وقد تطلق على (العم) على سبيل الاحترام لكنه ليس أباً في النسب كما هو الحال مع (آزر) فالأب أعم من الوالد فيطلق على الجد للأم وعلى المربي كما تطلق على (العم) فهؤلاء اولاد النبي يعقوب (عليه السلام) يخاطبون أباهم: (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون)(5 ).
وكان اسماعيل عماً ليعقوب (عليهما السلام) وليس أباً لهُ.
اما استغفار ابراهيم (عليه السلام) لآزر فانما كان ابراهيم (عليه السلام) يسعى لاستهدائه بطلب المغفرة له في حياته وقد وعده (موعدة) ان يستغفر له في قوله تعالى: (سأستغفر لك ربي)( 6)، فلما تبيّن أن (آزر) مصرّ على الكفر ترك ابراهيم (عليه السلام) الاستغفار له، وقد انطلق ابراهيم (عليه السلام) في ذلك السبيل الاستغفاري كونه: (ان ابراهيم لأواه حليم) فهو حليم صبور على الأذى وكثير التأوّه خوفاً من ربّه وطمعاً في رحمته فتحدث له في قلبه رقة يشفق على غيره بفيض تلك الرحمة من الله سبحانه. ويذكر الشيخ الطوسي ثمانية اقوال في معنى (أواه) منها: تواب، دعّاء، رحيم، موقن، فقيه، متوجع، متضرع الى الله( 7).

لا إضلال إلا بعد التبيان:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، هذه الآية تتضمن التهديد لمن لا يتقي المعاصي ولا يتجنب الاستغفار للمشركين فمن خالف بعد النهي وبعد ذلك البيان فأنه يستحق العقوبة وقد روي ان قوماً من المسلمين استغفروا للمشركين فخافوا على أنفسهم فنزلت الآية تلطيفاً لخواطرهم وتأميناً لمخاوفهم.
فالله سبحانه لا يقضي بالضلال على قوم بعد ان وفقهم للهدى والايمان إلا اذا خالفوا ما بيّنه الله لهم: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)( 8).
ويعلق السيد محمد باقر الصدر (رض) بخصوص قاعدة البراءة المستفادة من هذه الآية المباركة في سورة التوبة يقول: (وعلى أي حال فقد أنيط الإضلال ببيان ما يتقون لهم... فمع عدم وصول البيان لا عقاب ولا ضلال وهو معنى البراءة)( 9).
وتأتي الآية (116) من سورة التوبة لتعزز معنى المالكية المطلقة لله سبحانه لخلقه وتصرفه فيهم فهو المالك للسماوات والارض وهو المحيي والمميت، ولا ولاية ولا نصرة حقاً إلا به وله سبحانه وهنا يتجلى معنى اللجوء الحق لله سبحانه وعدم تولي اعداء الله بالاستغفار او بغير ذلك او وجوب التبري منهم(10 ).

معان في التوبة:
التوبة كما أسلفنا هي الرجوع الى الله سبحانه، فالتائب الى الله هو عائد اليه سبحانه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحين يتوب الله على نبيّه فمعناه انه سبحانه يرجع على نبيّه بالرحمة لانه الواسطة في نزول الخيرات والبركات الى أمته بأذن ربه فهو الرحمة المهداة لهذه البشرية.
اما توبة الله سبحانه على المهاجرين والانصار لامتثالهم أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) في النفر الى تبوك (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) وهي الفترة التي عاشوها وكانت شديدة في النقل والاكل والشرب فكان الحر الشديد وكان وقت اقتطاف الثمار التي كانوا يعيشون عليها طيلة السنة كما ان العدو (الروم) كانوا كثيرين وأقوياء أضف الى ذلك بعد المسافة بين المدينة وتبوك والتي تبلغ مئات الكيلومترات فهذه مسافة عسرة (ساعة عسرة) صدقوا فيها مع النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وكاد بعض منهم لشدة ذلك العسر ان تميل قلوبهم عن الحق ويدخلها الريب وترددوا في الرجوع لكن الله سبحانه وفقهم وثبتهم مع النبي (صلى الله عليه وآله) رغم شدة العسرة فتاب عليهم لما أظهروا الندم من غير ان يعصوا (ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم).

توبة الثلاثة الذين خلّفوا:
وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، الذين تخلفوا عن الالتحاق برسول الله (صلى الله عليه وآله)(11)، ولم يضمروا نفاقاً في تخلفهم، ورغم ذلك منع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من معاشرتهم فاعتزلهم أهلهم واولادهم حتى نساؤهم فسكنوا رؤوس الجبال خارج المدينة نادمين ينتظرون التوبة من الله سبحانه فنزلت الآية المباركة. بعد ما أيقنوا بأن لا ملجأ يعصمهم من الله وغضبه (وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا اليه).
اذن هنا رجوع بالرحمة من الله عليهم وقبول توبتهم (ليتوبوا) من ذنبهم ويستقيموا، بينما في التوبة التي وردت في الآية السابقة بخصوص الانصار والمهاجرين الذين اتبعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ساعة العسرة لم تذكر الآية (ليتوبوا) لعدم وجود الذنب. اضف الى ذلك ان الآية 117 ختمت بـ : (انه بهم رؤوف رحيم) بينما الآية 118 ختمت بـ: (ان الله هو التواب الرحيم)، وفرق واضح بين (رؤوف) و (تواب).

لماذا بقي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في المدينة؟
بقي الامام علي (عليه السلام) في المدينة بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان لوجوده أثر عظيم في منع خبث مَنْ يريد ان يتآمر على أهل المدينة وعلى الرسول (صلى الله عليه وآله) في غيابه الطويل الى تبوك فكانوا يحسبون له ألف حساب، اضف الى ذلك انه حصل على وسام عظيم حين عاب البعض من مرضى القلوب بقاء امير المؤمنين (عليه السلام) في المدينة فقال (صلى الله عليه وآله): (الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه ليس نبي بعدي)(12 ).

مع الصادقين:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ).
خطاب مباشر للذين آمنوا ان يتقوا الله في أفعالهم وأقوالهم ويكونوا مع الصادقين ولم يقل (من الصادقين) فقد روي ان ابن عمر قال: أمر الله الصحابة ان يخافوا الله ثم قال: (وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) يعني مع محمد وأهل بيته (عليهم السلام) وقد روي ذلك كذلك عن ابن عباس في الدر المنثور فالصادقون هنا هم من يصدق قولهم فعلهم ويطابق ذلك الخارج حين يخبرون عن شيء فلا يصدر عنهم كذب، وان مصاحبة الصادقين أُمر بها المؤمنون ليتعلموا الصدق فالمؤمن قد يفوته الصدق أحياناً، والصادق صفة مدح لا تطلق إلا على من يستحق المدح على صدقه.
وأما مرتكب الكبيرة فلا يطلق عليه اسم صادق، ولذلك مدح الله الصديقين وجعلهم تالين للنبيين في قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا)( 13).

مِنَ المسموح والممنوع في التعامل مع النبي (القائد):
(مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، لا يصح ان يتخلف أو ينأى أهل المدينة ومن في اطرافها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ)، فلا يحق لهم بعد ان سمعوا خطاب النفير الى (تبوك) ان يتخلفوا ولا يحق لهم ان ينأوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) فلا يشاركونه المكاره فقد يكرهونها لأنفسهم ولا يكرهونها لرسول الله، وهذا أمر يرفضه القرآن الكريم وإذ يرفض القرآن ذلك باعتباره النبي المرسل والقائد والرجل الأول فأي خطر لابد ان يبعدوه عنه لسلامته وسلامة المسيرة.

ترغيب:
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وهنا يرغب القرآن الكريم اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) من المسلمين والمؤمنين ان كل معاناة يواجهونها في طريق امتثال أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) فهي مسجلة لهم عند الله –عملاً صالحاً- الذي لا تضيع لديه أجور المحسنين. وصور المعاناة التي حصلت في طريق تبوك أشارت اليها مفردات الآية المباركة، مثل:
1-الضمأ: وهو العطش لقلة الماء وبعد المسافة.
2-النصب: وهو التعب حيث الطريق البعيد بين المدينة وتبوك والواقعة على الحدود مع الشام.
3-مخمصة: وهي المجاعة حيث كان العشرة من المسلمين يلوكون التمرة الواحدة.
4-ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار: ولا يدوسون او يتمكنون من أراضي الكفار بأرجلهم او حوافر خيولهم (إلا كتب لهم به عمل صالح) فهذه المفردات لا تذهب سدى وانما هي محفوظة لكم بجزائها وثوابها (ان الله لا يضيع أجر المحسنين). لا يضيع اجر من أحسن عملاً، وهو أفضل من الجزاء الحسن حيث أختاره الله لهم ترغيباً بموقف النصرة والاتباع لرسول الله والقرب منه.

الانفاق وبعد المسافة:
(وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
فمن يدعم المجهود القتالي ويجهز المجاهدين كثيراً او قليلاً ولو بمقدار تمرة كما ورد ذلك عن ابن عباس، او يجتازون أرضاً باتجاه المعركة إلا تعيّن لهم أجر بجزاء أحسن أعمالهم وهذا ترغيب آخر من الله سبحانه لهم.

النفر العلمي:
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)، فبعد ان نهى القرآن الكريم عن ترك الرسول لوحده وخطر الرغبة عنه جاء النفر العلمي بمعنى دعوة المؤمنين من خارج المدينة لينفر منهم طائفة وجماعة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتحصيل المعارف والعلوم الدينية في الفقه والاحكام والعقائد وكافة الابواب من غير تحديد (ليتفقهوا في الدين) من أجل ان تتشكل طائفة من العلماء والفقهاء وطلبة العلوم الدينية تعلّم الآخرين علوم دينهم وتنذرهم وترشدهم وتحذرهم عاقبة أعمالهم.
وفي ذلك يحصل توازن في الوظائف الاجتماعية فهناك من يقاتل بالسلاح ويحمي الديار وهنا من يتسلح بالعلم ليصدّ اخطار الجهل والشبهات، فلا يمكن بحال الانفكاك بينهما لحاجة المجتمع اليهما مرة واحدة.

أسلوب جهادي:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ)، وهذه نظرة واقعية يرسمها القرآن الكريم للمؤمنين حتى يؤمّنوا حواليهم والمناطق القريبة منهم لينطلقوا الى مسافات أبعد فتتسع بذلك رقعة المسلمين، وليس من العقل ترك العدو يعبث قريباً وينشغل المسلمون بعيداً عنه.
من جهة أخرى ضرورة اظهار الشدة والغلظة بوجه العدو (وليجدوا فيكم غلظة) وليس سوء الخلق، فمن أتقى كان الله معه ناصراً ومعيناً (واعلموا ان الله مع المتقين) فهذه معية نصرة وما أعظمها وأقربها تحققاً.

أثر نزول السور القرآنية على المؤمنين والمنافقين:
1-المؤمنون: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، على مدى 23 سنة كان القرآن الكريم يتنزل نجوماً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويراقب المسلمون ومن بينهم تلك المشاهد فالمؤمنون يزدادون ايماناً وتصديقاً بالغيب وبالله سبحانه ورسله وملائكته وكل الحقائق وراء عالم الشهود لان الآيات تزيدهم يقيناً بأدلة وبراهين توحيدية جديدة وذلك لخلو قلوبهم من النفاق وأمراض الشك والفتنة: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)( 14).
2-المنافقون: (واذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه ايماناً) بعض المنافقين يطلقونها مستهزئين وليس عن ايمان وذلك لأيجاد مساحة اكبر من المشككين والمنافقين.
فالذين في قلوبهم مرض من النفاق والشك والانكار تزيدهم نزول السور القرآنية رجساً وضلالاً وشكاً ونفاقاً وخبثاً الى ما هم عليه من رجس وضلال ونفاق وشك وخبث حتى انهم يموتون وهم على الكفر (ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)(15 ).
وحينما تتجمد قلوبهم وتنغمس في ذلك الرجس تنأى عن ادراك ما هم فيه من رجس وخبث ونفاق فتتحول لديهم المقاييس والمعايير وينظرون الى الاشياء برؤية الجاحد والمنكر ولا يرون انهم يفضحون (في كل عام مرة او مرتين) بنزول الآيات القرآنية لكنهم يعصون ولا يرجعون عن نفاقهم ثم لا يعتبرون ولا يذّكرون. فقطعوا عن انفسهم وعقولهم وقلوبهم أية فرصة للتأمل والتفكر والإدراك.
وهم حذرون حينما تنزل الآيات ينظر بعضهم الى بعض بقلق من الفضيحة حينما يكونون في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) وتنزل السورة الفاضحة لهم، فيخافون على حالهم فيتركوا مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون لبعضهم لننصرف ولا نصبر على استماع هذه الفضائح: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ)، وهنا يلاحقهم الدعاء عليهم من الله (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم) عن الايمان والهداية لأنهم لم يتدبروا ولم يدركوا الحقيقة (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون)، والباء سببية تبين علة هذا المصير المؤلم لهم.

خصائص في الرسول (صلى الله عليه وآله):
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
ايها الناس: الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) جاءكم برسالة من السماء وهو بشر مثلكم ومن جنسكم ينطق لغتكم فليس غريباً عنكم يحرص عليكم ويهتم بكم جميعاً وهو يعز ويشق عليه ضرركم وعنتكم وبِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
فأنْ أعرضوا عنك وعن الايمان فقل لهم (حَسْبِيَ اللَّهُ) الله يكفيني لا معبود سواه (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) ومن هنا يأتي التوكل على الله سبحانه حتى لا يخاف أحداً غيره ولا يثق بأحد سواه. وهو رب العرش العظيم المحيط بكل الاشياء: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

اضاءة اجتماعية
المعية الالهية منهج في التكامل
الله سبحانه لا يتخلى عن عباده اذا ما صدقوا الايمان وعملوا الصالحات وهذا خط عام وماض بسنن الله في خلقه. فاشتراء النفس والمال-وهما مملوكان لله تماماً وموهوبان منه سبحانه- يدلل على هذه المعية الالهية وعدم التخلي عن العبد المؤمن الصالح، يقايضنا الله بالجنة والرضوان وكل ما يندرج تحت معنى (الفوز العظيم).
وهذه المعية الالهية لا تمنع القتل في سبيل الله فقال سبحانه: (فيَقتلون ويُقتلون)، حتى تجري السنن بطريقها الطبيعي.
وهل هناك أفضل ممن اجتمعت فيه التوبة والعبودية والحمد والجهاد وإقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ الاحكام والعقائد الالهية، فهذه مدرسة متكاملة وليس فرداً منكفئاً منعزلاً تضمّه الكهوف وتبعده عن بني جنسه.
وتنطلق الآيات المباركة لتؤسس قاعدة عدم الاستغفار لهؤلاء لان الرحمة بعيدة عنهم حتى لو كانوا ذوي قربى مثل آزر عم النبي ابراهيم (عليه السلام): (فلمّا تبيّن له أنّه عدو الله تبرأ منه).
وقاعدة إلهية أخرى: هي ان الله سبحانه لا يضل قوماً بعد اذ هداهم ووفقهم للايمان من غير ان ينحرفوا عن الجادة باختيارهم وهؤلاء لا يضرون شيئاً في مملكة الله الواسعة الخالدة إنْ عصوا (ان الله له ملك السماوات والارض).
ورائعة أخرى روائع المعية الالهية ان الله سبحانه يتوب على عباده فيعود عليهم بالرحمة والهدى، ويفتح الطريق امامهم نحوه سبحانه وهناك من يتوب بندم على الذنب مستغفراً ويعزم على عدم العود للذنب ثانية ويؤدي حق الآخرين، فهذه توبة يعين الله سبحانه صاحبها ويقبلها منه وهذه رحمة عظيمة في هذه المعية الالهية. وقد جاء الخطاب واضحاً للذين آمنوا: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
ولم يقل من الصادقين فهناك فئة صادقة لها مراتب أعلاها هي الطبقة المعصومة التي صدقت ولم تكذب يوماً او تخالف ربها.
ويبني القرآن على ذلك مبدأ (احترام القادة الربانيين) فلا يجوز التخلف عن قرارات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يجوز ان يفضل أحد نفسه على نفس رسول الله بل يجب ان نكون متبعين له ولمنهجه ولرسالته (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه).
وعند الله لا يضيع عمل عامل ولا تتبدد نفقاتهم قلت أم كثرت وهكذا كل ما يعانيه الانسان في طريق الهدى والجهاد في سبيل الله هو مثبت في صحيفته مجازى عليه بأحسن الجزاء وهذا لطف آخر من الطاف المعية الالهية.

طلب العلم فريضة:
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)، لولا هنا بمعنى هلّا للترغيب والحث على الخير، فهذه النظرة المتوازنة بين الجهاد في سبيل الله والعلم من شأنها توجد مجتمعاً واعياً قوياً يدافع عن حقوقه ويأخذها ويفتح الطريق أمام ضحايا الشبهات الفكرية الذي ضلوا بفعل تلك العقائد المريضة لينقذهم.
من جهة أخرى نزول الآيات على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي كاشف آخر للمنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين ويخافون ان يفضحهم القرآن الكريم فبدل ان يزدادوا ايماناً ودليلاً تراهم يزدادون رجساً الى رجسهم، وهنا تنقطع المعية الالهية بعد ان يصرف الله قلوبهم عن الفهم الحقيقي (صرف الله قلوبهم بانهم قوم لا يفقهون).
وتختم سورة (التوبة) بخصائص في رسول الله (صلى الله عليه وآله): حرصه على الناس مؤمنين وغير مؤمنين كي لا يضلوا (حريص عليكم). وتؤكد الآية تجليات معنى المعية الالهية للمؤمنين من خلال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (بالمؤمنين رؤوف رحيم) ويتم ذلك كله من خلال مراقبة واضحة أنْ اذا اعرضوا وتولوا عنك يا رسول الله فالجأ الى رب العرش العظيم صاحب الالوهية المطلقة فهو الكافي من شرور هؤلاء (فان تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم).

دروس اجتماعية مستفادة:
1-بين الله والمؤمنين عقد اشتراء وبيع في الآية 111 من السورة ما اركان هذا العقد وتداعياته الاجتماعية في الواقع الانساني.
2-لماذا لا يتحقق الاستغفار للمشركين؟
3-كيف نتعامل مع الآخرين بقاعدة (أوّاه حليم).
4-كيف تستدل على أصالة البراءة من الآية (115) في سورة التوبة؟
5-التوبة منهج تحرر من الذنوب: كيف يبعث على اسعاد الفرد والمجتمع؟
6-كيف تقرأ تأثير الندم على الذنب في (الثلاثة الذين خلفوا).
7-المعصومون هم المقصودون في المصاديق العليا من (الصادقين) الاية 119، كيف تفهم ذلك؟
8-لماذا نحترم القيادة المؤمنة وما أثر ذلك على النصر والهزيمة الايتان (120-121).
9-طلب العلم فريضة كيف تقرأ ذلك في الآية 122.
10-لماذا يخاف المنافق من نزول سور القرآن الكريم؟
11-ما أثر حرص القائد ورأفته ورحمته بالاتباع؟

الهوامش
( 1) سورة التوبة: 111-129
(2) انظر الكافي للكليني.
(3) سورة ابراهيم: 41
(4) تفسير الطبري.
(5) سورة البقرة: 133.
(6) سورة مريم: 47.
(7) التبيان 5/309-310.
(8) سورة الاسراء: 15.
(9) دروس في علم الاصول: 559.
(10) الميزان للعلامة 9/413.
(1 1) انظر تفسير الطبري 11/58.
(2 1) انظر صحيح البخاري 6/3.
(13) سورة النساء: 69، انظر التبيان للطوسي 5/318.
(14) سورة الاسراء: 82.
(5 1) سورة الانعام: 125.

اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم