من هم الأعراب؟ /الدكتور علي رمضان الأوسي


دروس اجتماعية في تفسير القرآن الكريم
في المركز الاسلامي في انجلترا
يلقيها الدكتور علي رمضان الأوسي

من هم الأعراب؟

(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ، وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)( 1).
بعد ان تحدثت الآيات السابقة عن منافقي المدينة تتناول هذه الآيات المباركة نفاق الأعراب.

من هم الأعراب؟:
ورد في لسان العرب: ان الاعرابي هو البدوي، وهم الأعراب والأعاريب جمعها، وليست الاعراب جمعاً لـ(عرب) وانما (العرب) اسم جنس (قالت الاعراب آمنا...) فهؤلاء قوم من بوادي العرب قدموا الى المدينة طمعاً في الصدقات لا رغبة في الاسلام، ولا يقال للمهاجرين والانصار أعراب انما هم عرب لأنهم استوطنوا القرى العربية وسكنوا المدن، ولو ان قوماً من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القرى العربية وغيرها وتناءوا معهم فيها سموا عرباً ولم يسموا أعراباً( 2).

هل في الأعراب مؤمنون؟
نعم بصريح القرآن قوله تعالى: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر)(3 )، الى جانب من ذمّهم القرآن الكريم قوله تعالى: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)( 4)، وقد كشفت سورة التوبة خصائص وصف بها الاعراب:
1-اصطناع الاعذار: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) فهؤلاء جاءوا رسول الله فانتحلوا الاعذار خشية الجهاد وطلبوا اذن النبي لهم بترك الجهاد، وقيل: انهم رغم ما لديهم من أعذار عن الجهاد جاءوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليأذن لهم بالجهاد والأول أنسب الوجهين وذكرت الآية طائفة المنافقين المتمردين العصاة (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فهؤلاء لم يعتذروا عن تخلفهم غير المبرّر: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فهؤلاء بكذبهم وكفرهم لهم عذاب شديد دنيوي كالقتل والأسر، وعذاب أخروي النار.
2-أشد كفراً ونفاقاً: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) وذلك بسبب جفائهم وقسوة قلوبهم الناجمة عن انكفائهم وقلة معاشرتهم لأهل الصلاح لذا ترى الأعراب أشد كفراً ونفاقاً من الحضر (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) وبسبب هذا الابتعاد والانعزال يكونون أولى من غيرهم في جهل الحدود الالهية من المعارف والاحكام العملية بمعنى ان فرص التعليم لديهم أقل وأندر مما يترك أثراً على تفكيرهم ونظرتهم للاشياء والله سبحانه عليم بهم لانهم مخلوقون له سبحانه وحكيم بما يفعله فيهم.
3-اعتبارهم الانفاق خسارة ومغرماً: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا)، فبعضهم من الجهلاء يعتبرون ما ينفقونه في سبيل الله خسارة بعكس ما يعرضه القرآن من نماء وزيادة للمنفقين.
4-الاساءة للمؤمنين: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) فهؤلاء الجهال المنافقون يعملون على ايذائكم أيها المؤمنون ويفرحون حين تحيط بكم المصائب كما تحيط الدائرة بما في داخلها، فهؤلاء (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) وهنا دعاء عليهم بالعذاب اي يحيطهم العذاب كما تمنوا لكم وانتظروا ان تكونوا في دوائر المصيبة والنوائب. وهذه نصرة الهية للمؤمنين لا يفوته سبحانه سماع اقوالهم وهو سبحانه عليم بافعالهم.
5- الحذر منهم: (وممن حولكم من الأعراب منافقون) وهي اشارة الى من هم في أطراف المدينة من الأعراب المنافقين، وهذا خطاب مباشر للحذر منهم الى جانب منافقي المدينة الذين تمرسوا على النفاق وطغوا فيه وقد أعان الله نبيه حين خفى أمرهم: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) فالله سبحانه يخبر نبيه عن أعدائه ليحذرهم، وقد توعد الله هؤلاء بالتعذيب مرتين: (سنعذبهم مرتين) في الدنيا وفي عذاب البرزخ ثم العذاب العظيم في الآخرة: (ثم يردون الى عذاب عظيم).

من هم المعذورون حقاً؟
فئات أربع وهم:
1-الضعفاء المسنّون.
2-المرضى العاجزون.
3-الفقراء الذين ليس بمقدورهم الانفاق.
4-المتطوعون للقتال من غير وسيلة تحملهم.
وتجمع هذه الفئات المعذورة حقاً الايتان 91، 92 من سورة التوبة: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ...).
وقوله تعالى: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ).
وتصف الآية الاولى الفئات الثلاث بالمحسنين: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فحين حققت هذه الفئات شرط النصح والاخلاص لله سبحانه، فهؤلاء رفع عنهم الحرج واعذروا المشاركة في الجهاد، ولم يغشوا ولم يخونوا ولم يثبطوا العزائم مع انهم أصحاب عذر حقيقي، وسموا بالمحسنين لصدق اعذارهم ونصحهم الصادق لله والرسول فلا يحق لأحد ان يعتبهم او يلومهم.

وأعينهم تفيض من الدمع:
والآية الثانية تمدح الفئة الرابعة، فهم حين جاءوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لغرض الجهاد وهم فقراء ولم يجدوا ما يقدمونه من الانفاق لكنهم التحقوا بانفسهم فهؤلاء حين لم يجدوا الراحلة ولا الفرس ولا البعير الذي يقلهم الى المعركة صاروا أمام أمر واقع بأنهم سيحرمون من الجهاد هنا فاضت أعينهم فامتلأت دموعاً، حزناً لعدم امتلاكهم ما ينفقون (تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ)، وهذا الحزن هو ألم في القلب لفوت أمر. وقال الواقدي: البكاؤن سبعة من فقراء الانصار( 5).
5- الاغنياء المستأذنون:
وهذه جماعة قادرة على الجهاد وعلى الانفاق فهم اغنياء لكنهم جاءوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليتخلفوا عن الجهاد ورضوا بان يكونوا مع الخوالف: وهم النساء والمرضى والعجزة: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ) هذه الفئة بخلاف أصحاب العذر الحقيقي من الفئات الاربع ختم الله على قلوبهم فحرموا الهداية: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) فضلَ المجاهدين على القاعدين.
وصايا قرآنية في مواجهة المنافقين:
1-عدم قبول اعتذارهم بعد وضوح كذبهم: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) فاذا ما رجعتم من تبوك جاءكم المتخلفون عن تبوك ليقدموا اعذاراً جديدة تبرر عدم خروجهم الى القتال، فكان الجواب: (قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ)، فلا تقبلوا اعذارهم وقولوا لهم لن نصدقكم لأن الله سبحانه أخبرنا بما في ضمائركم من الخبث والنفاق.
2-المتابعة الالهية: (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) وهذا تهديد للمنافقين فالله سبحانه لم يتركهم ونفاقهم وهذا التهديد بقصد ان يتوبوا الى الله الحق عن نفاقهم، ثم بعد موتهم سيعودون الى الله عالم ما خفي وما ظهر فتواجهون أعمالكم ليجازيكم الله عليها: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
3-الإعراض عنهم لخبث سرائرهم: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ)، فهؤلاء المنافقون سيقسمون أمامكم اذا رجعتم الى المدينة من تبوك بأنهم أصحاب اعذار ولا يضمرون خطراً عليكم، كل ذلك من اجل ان تصفحوا وتعرضوا عنهم من غير ذم لهم.
وجاء الموقف: (فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)، هذا الإعراض تأديباً لهم ومقتاً ولا تعاتبوهم لأنهم قد خبثت بواطنهم وتلوثت ضمائرهم ومصيرهم النار جزاء لنفاقهم ومعاصيهم.
4-عدم الرضا عنهم: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، مرة أخرى يحلفون ويكثرون من القسم ليتجنبوا لومكم ومحاسبتهم فلا ترضوا عنهم. حتى لو رضيتم فان الله سبحانه لا يرضى عنهم لفسقهم ومعصيتهم وخروجهم عن طاعة الله سبحانه.

في الأعراب مؤمنون:
(وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر) اذن فيهم من صدّق بالله ووحدانيته واليوم الآخر القيامة (وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) ويعتبرون انفاقهم تقرباً الى الله سبحانه وكذلك دعاء الرسول واستغفاره. (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ) وتنبه الآية بان انفاقهم في سبيل الله تقربهم الى الله سبحانه فهي قربات مقبولة، ووعدهم الله بدخول الجنة لمغفرته ورحمته بمن يصدق به سبحانه: (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

التائبون:
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فهؤلاء مذنبون لكنهم اعترفوا بذنوبهم لا ينافقون كالآخرين، فاحتسب لهم عمل صالح وآخر سيء فأمرهم الى الله سبحانه وقد جاءت (عسى) لتثبيت الرجاء برحمة الله لهؤلاء فهم أرجى الى رحمته سبحانه من غضبه لا سيما ان الآية ختمت بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وذلك لترجيح جانب الرجاء(6).

اصناف المؤمنين الثلاثة:
صنفت هذه الآية الكريمة المؤمنين ثلاثة أقسام: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ):
1-السابقون الاولون من المهاجرين.
2-السابقون الاولون من الانصار.
3-الذين اتبعوهم باحسان.
وهناك عناوين تطرحها الآية المباركة:
1-السبق في الاسلام
2-الأولون.
3-الهجرة.
4-نصرة الرسول والمؤمنين.
5-الرضا.
وحين ندعو بقوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالايمان)(7)، فهذا السبق ليس تاريخياً او محدداً بمرحلة زمنية معينة ولا يمنع من اقتضاء سبب النزول قصة معينة بعينها وانما تستحضر هذه الاسبقية على طول تاريخ الامة حتى قيام الساعة ولا قيمة لاسبقية الا بالدوام على الاستقامة فكثير آمنوا ثم كفروا وبقوا على كفرهم او معصيتهم او فسقهم، وهنا برزت النصرة والهجرة لتعطيا للسبق في الاسلام والايمان بعداً عملياً، لابد من الثبات فيهما فكما ان خطر الانحراف كان ممكناً على السابقين كذلك من ينتهج منهجهم ويتبعهم لابد ان يتم ذلك السير بأحسان من غير خروج او فسوق او عصيان وهذه الظاهرة وان كان سبب نزولها يشير الى صدر الاسلام لكنها تتكرر الى يوم القيامة باعتبارها خصائص وحالات وليست مرحلة مقيدة بزمن ما، كما ذكر هذا المعنى عن الفراء والزجاج( 8).
والسابقون: هم السابقون الى الايمان من بين المسلمين منذ صدر الاسلام حتى يوم القيامة.
والأولون: هم المصاديق المتقدمة في السابقين كما ذكر ذلك العلامة الطباطبائي( 9). هؤلاء (رضي الله عنهم) لطاعتهم (ورضوا عنه) لجزيل ما أثابهم اذ تنتظرهم جنات تجري من تحت قصورها الانهار يلبثون فيها دائماً أبداً وهذا معنى الخلود في الآية.

اضاءة اجتماعية:
النفاق ظاهرة اجتماعية سياسية عقائدية لا تحدها أمصار ولا تحجزها موانع جغرافية فهي ضعف عقائدي وتوظيف اجتماعي، ولكن النفاق يشتد حين تزيد نسب الجهل وعدم المعرفة وتعاظم قسوة القلوب وجفائها لذا فالقرآن الكريم حين يذكر: (الاعراب أشد كفراً ونفاقاً) لا يعني قومية او جماعة بعينها وانما من لزم البوادي وترك المدن والحياة المتحضرة، التي عادة ما تهيء في الحياة المعارف والعلوم أكثر.
ولم يطلق القرآن الكريم هذه الصفة على الأعراب بشكل مطلق كما أشار الى نفاق أهل المدينة (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ) ولكون (مِنْ) هنا للتبعيض فليس كل الأعراب منافقين ولا كل من سكن المدن مؤمنين.
لكن المنافقين دائماً يختفون وراء الايمان الكاذبة واصطناع الاعذار غير الحقيقية ويسعون للتربص والأساءة للمؤمنين ويشككون في عقيدة المؤمنين ويحولون دون تطوع المؤمنين والمشاركة في الجهاد.
لذا حذر القرآن الكريم كثيراً منهم وبالخصوص أهل البوادي حين يتمكن النفاق منهم فهم اشد كفراً ونفاقاً لقساوة قلوبهم وجفاء أنفسهم وحرمانهم العلوم والاحكام، الى جانب هذا التحذير من المنافقين ذكر القرآن الكريم أصناف المعذورين من الجهاد كالضعفاء والمرضى وغيرهم حتى لا يسمح للاسلوب الانتقائي كما يتذوقه البعض فتنفلت الضوابط وتتميع ومن هنا جاء القرآن معلماً وموجهاً للمؤمنين في مواجهة النفاق وتياراته التدميرية: فالى جانب السعي الى هدايتهم والصبر عليهم جاء قوله تعالى: (قل لا تعتذروا) يعني قولوا للمنافقين لن نقبل اعذاركم ولن نصدق بأيمانكم الكاذبة، واعرضوا عنهم اعراض مقت حتى يفهموا انهم على خطأ وانكم ايها المؤمنون تعرفون حقائقهم وهناك متابعة إلهية بأن الله يرى أعمال العباد ويُشهد عليها رسوله، وحتى المؤمنون هم قادرون باذن من الله سبحانه ان يروا ما في ضمائر هؤلاء المنافقين، وقد يبلغ الأمر أحياناً ببعض المنافقين ان يكونوا رجساً لخبث سرائرهم وبواطنهم فليس ثمة موقف الا رفضهم وعزلهم ليسلم المجتمع من اخطارهم.
وحول السابقة الايمانية وهجرة الاوائل من المسلمين قبل معركة بدر ورضا الله عليهم (رضي الله عنهم) لا يفهم منها انها تزكية مطلقة مانعة من الخلل او المعصية فكثير نكث وظلم ومرق حتى قاتل امير المؤمنين علي (عليه السلام) المبايع من الأمة، الناكثين والقاسطين والمارقين في اكبر ثلاث معارك فرضوها عليه: (الجمل، صفين، النهروان).
لكن تبقى قدسية من ثبت على الحق والايمان والهدى واتبع الرسول بإحسان وتقى.

دروس اجتماعية مستفادة:
1-من هم الأعراب بالاشتقاق اللغوي؟
2-في الأعراب مؤمنون ما دليلك على ذلك؟
3-لماذا الأعراب أشد كفراً ونفاقاً من الحضر؟
4-كيف يساهم الجهل والعزلة في قساوة القلوب وجفاء النفوس؟
5-(وأعينهم تفيض من الدمع) هؤلاء جاءوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعادوا بفيض دموعهم من هم؟ ولماذا؟
6-(السابقون الاولون) ما شرط تزكيتهم؟
7-متى نُعرض عن المنافقين؟ ونحن مطالبون بالسعي لهدايتهم.

الهوامش:
(1) سورة التوبة: 90-102.
(2) انظر لسان العرب لابن منظور.
(3) سورة التوبة: 99.
(4) سورة التوبة: 97.
(5) انظر التبيان للطوسي 5/280.
(6) راجع الميزان 5/390.
(7) سورة الحشر: 10.
(8) انظر التبيان للطوسي 5/281.
(9) انظر الميزان 5/385.


اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم