الموقف من المنافقين/الدكتور علي رمضان الأوسي

دروس اجتماعية في تفسير القرآن الكريم
في المركز الاسلامي في انجلترا
يلقيها الدكتور علي رمضان الأوسي

الموقف من المنافقين
(وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ، أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ، فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ، وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ، وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ، وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ، رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ، لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)( 1).

لا زال الحديث عن المنافقين وخطرهم وأساليبهم الالتوائية وكيدهم بالرسالة.

الفئة الرابعة للمنافقين:
(وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)،
جاء (ثعلبة) وهو فقير الحال الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ادع الله لي ان يرزقني مالاً... ولأعطين كل ذي حق حقه، وقد ألحّ في طلبه فدعا له الرسول (صلى الله عليه وآله) فأصاب ثروة كبيرة من قريب له قد مات وورثه، وبعدها ترك حضور الجماعة والجمعة، وامتنع عن دفع الزكاة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة)( 2)، فتذكرهُ الآية 75 من هذه السورة (ومنهم) اي من المنافقين.
فحين عاهد الله على ان يصّدق ويكون من الصالحين ألزم نفسه بهذا العهد لكنه ما إن آتاه الله وأغناه من رزقه وفضله امتنع عن الانفاق وبذلك نقض عهده مع الله سبحانه بل تمادى في غيّه (وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) فقد أعرض عن طاعة الله.
ماذا حقّق في نقضه العهد؟:
(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) فجعل الله عاقبتهم نفاقاً مترسخاً في قلوبهم الى يوم القيامة وهذه حالة وظاهرة تتكرر في كل زمان ومكان حين ينقضون العهد في التصدق والانفاق ويكذبون باظهار الايمان وإبطان الكفر.
علم الله كاشف مانع:
(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)
وهنا بتوبيخ استفهامي شديد تقرع الآية اولئك المنافقين بانهم ليس بمقدورهم اخفاء ما في ضمائرهم عن علم الله المحيط الغالب، فالسر الذي تخفيه صدروهم، وما يتناجون به ويتحدثون بخفاء فيما بينهم لا يفلت عن علم الله ولا يغيب عنه فلا فائدة اذن بذلك النوع من التناجي وخبث الاسرار.
اللمز والاستهزاء من صفات المنافقين:
كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يجهّز للمواجهة في تبوك فدعا المسلمين للانفاق والتبرع دعماً للمعركة، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقال المنافقون: هذا مراء وجاء فقير بنصف صاع من التمر مساهمة منه في الاستجابة لنداء الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال المنافقون: ان الله لغني عن صدقة هذا فنزلت الآية (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) فالمنافقون كانوا يعيبون المؤمنين المتطوعين الطائعين المتبرعين للانفاق الحربي ويهزؤون بالذين (لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) اي بالمتصدقين بمقدار طاقتهم ويسخرون منهم، فالمنافقون لا يريدون الخير مطلقاً فلم يرضوا ان يتصدق الاغنياء ولا الفقراء وهذا اسلوب لمنع الدعم وبذل الصدقات ومحاولة للطعن في الاستجابة للرسول (صلى الله عليه وآله) ولكن الله سخر منهم واستهزأ بهم فحقّرهم كما فعلوا هم بالفقراء المؤمنين، وهذا الاسلوب القرآني من باب المشاكلة (فيسخرون منهم سخر الله منهم). وينتظرهم في الآخرة عذاب موجع أليم.
وصحيح ان الانفاق الكثير يخدم المشروع الحربي (الجهادي) وغيره لكثرة الحاجة في المعركة لكن الى جانب ذلك وضعت ضوابط للصدقة الطيبة. حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (افضل الناس رجل يعطي جهدهُ). وقال (صلى الله عليه وآله): (أفضل الصدقة سرّ الى فقير وجهد من مُقلّ)( 3).
موقف النبي (صلى الله عليه وآله) من هذه الفئة المنافقة:
1-عدم الاستغفار لهم (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
فهؤلاء لا ينفع معهم الاستغفار وهو طلب المغفرة حتى لو بالغت في الاستغفار وذلك بسبب كفرهم بالله والرسول فلا تترتب على ذلك هداية لهم الى طريق الحق. ولأن استغفار الرسول رحمة للمستغفر له فلا يناسب ذلك.
2-(ولا تصل على أحد منهم مات أبداً).
وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يصلي على الاموات المسلمين، وقد أخبره الله سبحانه بأن في جملة من تصلي عليهم من هو منافق، ثم نهي عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وروي ان جبرئيل (عليه السلام) أخذ بثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ).
3-عدم القيام على قبور المنافقين: (وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) اي تولي دفنهم والنزول معهم في قبورهم وزيارتهم والعلة واحدة في عدم الاستغفار للمنافقين وعدم الصلاة عليهم وعدم القيام على قبورهم، وهي كفرهم بالله ورسوله وقد ماتوا على فسقهم (وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ)( 4).
4-عدم تصديق دعواهم بالخروج: (فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا)
يا رسول الله ان عدت من تبوك، ستستأذنك طائفة من المنافقين الذين تخلفوا من غير عذر عن الجهاد للخروج في معركة أخرى، فما حقيقة هذا الاستئذان؟ فقد جاء القرآن واضحاً في بيان الموقف الرافض لدعواهم واستئذانهم بالخروج بعد تخلفهم وعدم إطاعتهم للنفير الى تبوك ورضاهم بالقعود وعدم النفر الى الجهاد (إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) اي في تبوك: (فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ) الذين تخلفوا بعذر مثل الصبيان والنساء والمرضى أو من غير عذر كالمنافقين والفاسدين الفاسقين. فهم يحاولون تضليل الرأي والتغطية على موقفهم المتخاذل وعدم طاعتهم لرسول الله في الخروج الى الجهاد.
5-عدم الانبهار باموالهم وأولادهم: (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)( 5).
وهي تشبه قوله تعالى في الآية 55 من سورة التوبة: (فلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ليُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحياة الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)( 6).
ولكن سياق الأولى في القتال بينما سياق الآية 55 في الانفاق، الى جانب ذلك ورد تنوع في حروف الجر والعطف في الآيتين المذكورتين، فليس هناك تكرار مملّ بينما هناك اختيارات بلاغية تناسب السياق والمعنى في الآيتين، أي: ولا تستحسن أموالهم وأولادهم فقد يكونون سبباً في شقائهم، وقد منحهم الله ذلك ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب والمشاكل. ويموتون وتخرج ارواحهم وهم منشغلون بملذات الدنيا وكافرون بأنعم الله سبحانه وهو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) ويراد به الأمة( 7).
تكرار حرف الجر:
في آية الانفاق ورد في سياقها: (إلا انهم كفروا بالله وبرسوله)( 8) قد يتجلى من تكرار حرف الجر انه يكرر المعنى كقولك: مررت بأحمد وبعلي، فهناك مروران، ولو قلت: مررت بأحمد وعلي، فهناك مرور واحد بمعنى: مررت عليهما معاً. في الحالة الاولى تسجل الآية كفرين: كفر بالله وكفر بالرسول، وقد يكون التفصيل بتكرار حرف الجر لمزيد من الاهتمام والعناية.
عناية أخرى:
فرق بين حرفي العطف في بداية الايتين (الواو، والفاء)، الفاء تفيد التعليل (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) اي سبب عدم الاعجاب بهما هو عدم قبولهما عند الله سبحانه، بينما جاءت الواو في بداية الآية (85) عاطفة ناهية عن الاعجاب بهما من غير تعليل.
كما ورد (الحياة الدنيا) في آية الانفاق لمجانستها ذكر المال بينما أبقت الآية 85 كلمة (الدنيا) من غير ذكر للحياة.
وهكذا في بيان الفارق بين (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) بينما في آية القتال (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم) ففي الاولى آية الانفاق يكون الأصل الحديث عن الاموال فجاء الفصل (ولا أولادهم) بينما جاء الجمع (أموالهم وأولادهم) في آية القتال لأن الحاجة قائمة بالاثنين فلم يفصل وخلاصة الأمر: ان التكرار في القرآن انما يستخدم لغرض بلاغي عادة كتكرار الآية (فبأي آلاء ربكما تكذبان) كررت لفظاً وتنوعت معنى باختلاف استخدامها السياقي.
بينما في سورة التوبة تعدد السياق بين آية الانفاق وآية القتال مع شيء من التنوع في الحروف والكلمات كما بيّنا.
منطق المنافقين:
الى جانب اللمز والطعن في صدقات المؤمنين المطوعين كان منطقهم:
1-الفرح بالقعود (فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول الله) فهم سعداء بموقفهم المتخاذل وراضون عنه اذ قعدوا خلافاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي سار ومضى للقتال بعد ان دعاهم اليه.
2-كراهية الجهاد (وكرهوا ان يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) انهم كرهوا انفاق المال والمشاركة بالنفس في سبيل الله بالخروج الى القتال وذلك طلباً للراحة.
3-كسر الهمم وتثبيط العزائم لدى الآخرين حتى لا يخرجوا الى القتال معللين ذلك بالحرارة الشديدة في الصيف (وقالوا لا تنفروا في الحر) لكن الجواب الالهي كان حاضراً (قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون) الفارق بين الأمرين ان حر جهنم أشد وأثبت ولا يزول. وهذا يدعو الى التهيؤ اكثر والاستعداد للاستجابة للنداء الالهي (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون) وفيه تهديد فالأمر مرتبط بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، وقد ترتب ذلك على فهمهم الخاطيء حين ظنوا انهم فازوا بتخلفهم عن الجهاد لكن فاتهم انهم في طريق الخسران الذي سينتهي بعذاب جزاء لمعاصيهم التي كسبوها في حياتهم الدنيا فالصحيح ان يضحك الانسان قليلاً ويبكي كثيراً لأن الدنيا فانية ويجب أن يستعد لآخرته التي هي الحيوان.
4-المراوغة والتضليل:(فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا). وقد مر بيانها.
5-الثري المنافق: وهؤلاء يخذلون الحق حين يدعوهم مع انهم اصحاب قدرات بدنية وغنى من المال وليسوا معذورين كالمرضى والصبيان والمسنين وأضرابهم فاذا أنزل قرآن يدعو الى الايمان بالله بصدق والجهاد مع رسوله لنصرة الحق والدين تراهم يتخفون وراء (الاستئذان) الكاشف عن مرضهم والتوائهم، (وأولوا الطول) هم الاغنياء وأصحاب المال الكثير (منهم) اي من المنافقين، (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) من غير عذر انما هو طلبهم من الرسول (صلى الله عليه وآله) ان يتخلفوا مع أصحاب العذر، وفي ذلك صلف وتحد لأنهم يدركون حقاً حراجة الموقف مع انهم قادرون وغير معذورين، (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ)، اي مع المعذورين من الخروج الى الجهاد: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) وبسبب ذنوبهم ختم الله على قلوبهم حتى باتوا لم يميزوا بين عزة الجهاد وذلة القعود.
جزاء المؤمنين:
(لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، فبعد الحديث عن المنافقين والتواءاتهم تتحدث هذه الآية عن الرسول والمؤمنين، ليجزيهم الله (الخيرات) وهي اسم جامع لكل خير وتوفيق مادياً كان او معنوياً ففي الدنيا النصر والغنيمة وفي الآخرة الفلاح بالجنة والكرامة( 9).
وقد (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وهذا الاعداد الالهي والاهتمام المباشر منه سبحانه للرسول والذين آمنوا معه بصدق فيه عناية كبيرة، فهناك خلود وظفر وفوز لا فوز وراءه.

إضاءة اجتماعية:
سورة التوبة ومعركة تبوك فضحتا فئات المنافقين لذلك سميت السورة بالفاضحة وفرزتا الكثير من الأبعاد الكيدية لهذا التيار الذي قوي عوده واشتد رغم انتصارات المسلمين وشوكتهم، ومن هنا نفهم ان النفاق لا يُقضى عليه بانتصارات وانجازات فحسب فهو ينمو ويكبر مع سعة حجم التحديات والأخطار، والحل الأمثل هو مشروع صناعة النفس المؤمنة المخلصة لله والرسول والرسالة. وبعد ذكر الفئات الثلاث التي كانت تحتمي وراء المبررات والايمان الكاذبة والتي كانت تعيب وتلمز رسول الله في توزيع الصدقات وتقول هو (أذن) يسمع الخير والشر معاً. نواجه هنا الفئة الرابعة وهي فئة ناقضي العهد اللمازين المستهزئين الذين يمنعون طريق الزكوات ويعوقون سير الانفاق الحربي رغم دعوات الرسول (صلى الله عليه وآله) لكن الله سبحانه لم يترك هؤلاء الكيديين بل أورثهم نفاقاً الى يوم القيامة لا يفارقهم فعاشوا سوءاته واحتوشتهم عوراته بعد ان ترسخ النفاق في قلوبهم فأحالهم مرضى الضمائر وخبثاء المنهج، رغم علمهم بأن الله عالم بسرّهم ونجواهم وانه علام الغيوب.
هذه الفئة المنافقة كانت تسعى لمنع تيار الزكوات والانفاق ولخطرهم لم يحظوا باستغفار من الرسول ولم يصل عليهم ولم يقم على قبورهم.
قد نواجه احياناً اسلوباً التوائياً ومنهجاً مضللاً من نفس هؤلاء المنافقين لذلك حذر القرآن منهم بعدم تصديق دعواهم بالخروج والمشاركة الجهادية، ولابد من فضحهم وعدم الانبهار بأموالهم وأولادهم فما يملكون قد يكون عليهم سُبّة وسبباً في عذابهم وهلاكهم في الدنيا والآخرة، ومن خصائص هذه الفئة المنافقة هو كراهية الجهاد والفرح بالقعود وعدم الخروج في أيام الحاجة وساعات الحرج، وسعيهم لكسر همم الآخرين حتى لا ينفروا للجهاد او المساهمة في دعم المجهود الجهادي، وقد يسعى أولو الطول والغنى من الاثرياء احياناً للاحتماء بتيار المنافقين المثبط للعزائم والمانع للانفاق حفاظاً على ثرواتهم، لكن الله سبحانه يفصل في جزاء هؤلاء: قهراً في الدنيا وخزياً في الآخرة، بينما الذين آمنوا بالله وبالرسول يعدهم الله: خيراً في الدنيا وجنات في الآخرة.

دروس اجتماعية مستفادة:
1-ما هي الفئات الأربع من المنافقين التي ذكرتهم الآيات السابقة.
2-(ثعلبة) عبّر عن الفئة الرابعة من المنافقين كيف كذب وكيف نقض العهد؟
3-(فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم الى يوم القيامة) لماذا؟
4-لماذا لا يستطيع المنافقون اخفاء سرهم ونجواهم؟
5-قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أفضل الصدقة سرّ الى فقير، وجهد من مقلّ) كيف ندفع بهذا الحديث الشريف لمز المنافقين للمنفقين في سبيل الله؟
6-كيف وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من طابور المنافقين في حياتهم وبعدها؟
7-لماذا لا ننبهر بما يملك المنافقون من أموال وأولاد وقدرات؟
8-للمنافقين منهج ما أبرز ما شخصته الآيات القرآنية في هذا المقطع؟
9-متى يكون الثراء سبباً ومجالاً للنفاق؟

الهوامش:
( 1) سورة التوبة: 75-89.
(2 ) انظر اسباب النزول للواقدي: ص145.
( 3) راجع كنز العمال 16084، 16250.
( 4) راجع التبيان للطوسي 5/267.
( 5) سورة التوبة: 85.
( 6) سورة التوبة: 55.
( 7) انظر التبيان للطوسي 5/273.
( 8) سورة التوبة: 54.
( 9) راجع صفوة التفاسير للصابوني 1/380.




اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم