الاسئلة الشرعية

حول المرجعية والتقليد
الانسان و الكون:
الإنسان العاقل يدرك بفطرته السليمة أنه لم يكن موجوداً ثم وجد، فمن أوجده؟ ويدرك أنه مخلوق فمن خلقه؟ ويدرك كذلك أن كل ما حوله موجود مخلوق، فمن أوجده ومن خلقه؟؟
هل أوجد الإنسان نفسه؟ هل خلق نفسه؟؟ هل أوجدت هذه المخلوقات التي حولنا نفسها؟؟ هل وجدنا وخلقنا صدفة؟؟ من أوجدنا؟ من خلقنا؟؟
إن الإنسان يدرك أنه لم يوجد نفسه، وأن هذه المخلوقات لم توجد نفسها، لأنها لم تكن موجوده، فلا يمكن أن توجد نفسها قبل أن توجد، كما يدرك أنه وما حوله لم يوجدوا صدفة، فلا بد ـ إذن ـ من موجد وخالق لهذا الوجود.
ثم لو تأمل قليلاً لأدرك أن وجوده ووجود كل ما حوله من الموجودات يتصف بالحكمة والاتقان، وهذا يدل على أن الخالق الموجد لهذه الوجودات عاقل قادر حكيم.

الغاية والمنهج:
وللإنسان العاقل أن يتساءل بعد ذلك: لماذا أوجد هذا الخالق الحكيم الإنسان، ولماذا أوجد هذه الموجودات المتقنة والرائعة؟؟
هل يمكن أن يكون هذا الوجود بكل ما فيه من موجودات متقنة ومنظمة وجميلة وجد عبثاً؟ بلا غاية أو هدف؟؟
من المؤكد أنه سيدرك أنه لا يمكن أن توجد هذه الموجودات والكائنات المتقنة والرائعة عبثاً، وبلا هدف، بل لابد من وجود حكمة وغاية من وراء هذا الوجود. كما أنه لا بد من وجود منهج واضح يؤدي إلى تلك الغاية.
وعندما ينظر للواقع الخارجي سيرى مناهج كثيرة تدعي أنها تعرف الغاية، وتمتلك المنهج المناسب، ولكنه يرى أيضا أنها مناهج متناقضة، لا يمكن الوثوق بها جميعاً.

الهداية:
ولكن من بين تلك المناهج تمتاز دعوى أشخاص ادعوا أنهم مرسلون من قبل الخالق الحكيم، وأنهم يحملون بياناً ومنهجاً ورسالة متكاملة لهداية البشرية والوجود، وأن الغاية من تلك المناهج هي إيصال البشرية والوجود إلى الكمال، وتقريبهم من الكمال المطلق المتمثل في الخالق الكامل الحكيم.
وعندما ندرس سيرة أولئك الرسل نجد أنهم كانوا في أعلى درجات الكمال الأخلاقي والسلوكي، بدرجة لا يمكن معها أن يكونوا كاذبين، ثم أنهم جاءوا بما يثبت صدق دعواهم وما يؤيد أنهم مرسلون من قبل الخالق العظيم، وتحملوا في سبيل ابلاغ رسالات ربهم أشد المعاناة، ولم يسألوا الناس مقابل ذلك أجراً. وأن كل ما يبلغونه عن الله هو في صالح البشرية والوجود، فوجب تصديقهم ومتابعتهم.
وآخر أولئك الأنبياء المرسلين هو نبينا محمد بن عبدالله (ص)، والذي أرسله الله بمنهج متكامل يتناغم مع فطرة الإنسان السليمة، ويحترم عقله ووجوده، ويجيب على كل تساؤلاته حول هذا الوجود، ويفي بمتطلباته في الدنيا والآخره.
وبعد ان عرف الإنسان أنه مخلوق من قبل الله، وأنه مكلف بأمر يساعده على تحقيق الغاية التي من أجلها وجد وخلق، وهي الوصول للكمال، وهذا الأمر هو العبادة:
((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)) ـ الذاريات 56.

وأن هذه العبادة تحتوى على أوامر ونواهي تسمى (التكاليف)، وأن ما أمر به الله فيه صلاح للإنسان، وما نهاه عنه فيه ضرر له:
((يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)) ـ الأعراف 157.

فعليه أن يسمع ويطيع قول الحكيم الخبير، وأن يتعرف على تكالفيه الشرعية التي أرادها الله منه.
ومعرفة التكاليف تكون من خلال فهم كلام الله الوارد في كتابه العزيز المرسل إلى خلقه وعبيده (القرآن الكريم)، أو كلامه الوارد على لسان نبيه ورسوله الذي أرسله لهداية الناس وإرشادهم إليه سبحانه (السنة).
وفهم هذه الأحكام من خلال القرآن والسنة بكل تفاصيلها ليست بالمهمة السهلة لكل الناس، فكان لا بد من وسيلة أخرى تساعد الناس على معرفة وفهم تلك الأحكام، ومن ثم امتثالها.

التقليد هو المنهج العقلائي:
ولأن الله سبحانه وتعالى هو خالق العقل، فهو رب العقلاء وسيدهم، فقد تناغم مع أساليبهم في العمل التي يسهلون بها معيشتهم في هذه الحياة الدنيا.
ومن الوسائل التي اعتمدها العقلاء لتسهيل معيشتهم في هذه الحياة الدنيا مبدأ التقليد وهو أن يرجعوا في المجال الذي ليس لهم اختصاص فيه إلى أهل الاختصاص في ذلك المجال، ويأخذوا منهم التعاليم التي يحتاجونها في أمور حياتهم المتعلقة في ذلك المجال المعين.
فمثلاً اعتاد العقلاء على الرجوع إلى الطبيب لمعالجة الأمراض، وإلى المهندس في أمور البناء، وإلى الحداد في أمور الحدادة، وإلى النجار في أمور النجارة، لأنه لا يمكنهم التخصص في جميع هذه المجالات.
وهكذا فالعقلاء اعتمدوا هذا المبدأ في تسهيل كثير من أمور حياتهم اليومية.
ومن يقول: أنني لا أقلد أحداً في حياتي، ولا أرجع لأحد في أموري، فكلامه لا يحتمل سوى أحد أمرين:
1 ـ إما أنه لا يعرف معنى التقليد، وبالتالي لا يدري عما يتحدث.
2 ـ أو أنه مصاب بخلل عقلي يؤدي به إلى هذا التناقض، بحيث أنه يدرك أنه يعمل بالتقليد وفي نفس الوقت يتنكر له.

التقليد الشرعي:
فالتقليد أمر عقلائي إتّبعه العقلاء في كل زمان ومكان، والشريعة الإسلامية التي جاءت متانغمةً مع الطبيعة البشرية، أخذت بعين الاعتبار هذا المبدأ العقلائي (مبدأ تقليد غير المختص لصاحب الإختصاص).
فأمرت أتباعها بامتثال الأوامر الإلهية التي جاءت في القرآن والسنة، ولأن الله سبحانه يدرك أن امتثال هذه الأوامر بتفاصيلها الدقيقة ليست بالمهمة اليسيرة لكل الناس، لذلك حث بعض المسلمين على طلب العلم والتفقه في الدين كمتخصصين لمساعدة الناس على فهم التكاليف الدينية، وامتثال الأوامر الإلهية، فقال تعالى:
((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))
ـ التوبة 122.

هذا من جانب، ومن جانب آخر أمر الناس الذين لا يعرفون تفاصيل تكاليفهم الشرعية بأن يرجعوا في ذلك إلى أهل العلم المختصين، فقال عز من قائل:
((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) ـ الأنبياء 7.

وهكذا تتكامل الصورة، مجموعة من الناس تتخصص في مجال الفقه، وغير المختصين في هذا المجال يرجعون إلي المختصين لمعرفة تفاصيل تكاليفهم الدينية، وهنا تلتقي الطبيعة البشرية العقلائية التي اعتمدت مبدأ التقليد، مع الشريعة الإسلامية المتناغمة مع سيرة العقلاء.

المرجعية:
وفي زمن التشريع كان المسلمون يرجعون للنبي الأكرم (ص) لمعرفة تكاليفهم الشرعية، فكان (ص) يمثل (المرجعية) الدينية، ومن بعده تمثلت (المرجعية) بأشخاص الأئمة المعصومين الطاهرين المنصوبين بأمر الله وعلى لسان رسول الله (ص)، فكانوا هم مرجعية الأمة في جميع شئونها الدينية والحياتية.
وبعد زمن الأئمة تمثل هذا المقام ـ مقام المرجعية ـ بالعلماء الأعلام العارفين بأحكام القرآن وأحاديث أهل البيت (ع)، والعارفين بحلال الله وحرامه، وذلك طبقاً للآيات الكريمة المتقدمة التي حثت على أهمية التفقه في الدين، وأمرت الناس بسؤال أهل العلم والرجوع إليهم، وبنص النبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع) على مرجعية العلماء، كما ورد في أحاديثهم الشريفة:

"أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"
"أما من كان من الفقهاء صائنا للنفسه، حافظا لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه"

وهكذا تبلورت فكرة المرجعية والتقليد وتكاملت، حتى وصلت إلى مكانتها الحالية السامية.

ومع تطور الحياة من جانب وتعقيدها من جانب أخر، احتاج الناس إلى تسهيل سبل الحصول على الفتوى والحكم الشرعي بطرق أيسر، فكانت فكرة الوكلاء المبلغون عن المرجعية، وكانت فكرة الرسائل العملية المكتوبة، والمراسلات والاتصالات الهاتفية وغيرها.
وفي وقتنا الحاضر أمكن الاستفادة من وسائل العلم الحديثة كشبكات الأنترنت.

ونحن في قسم الشئون الدينية في المركز الإسلامي في إنجلترا، نرحب بأسئلة الأخوة المسلمين والمؤمنين، وأسئلة غيرهم حول الإسلام، وسنقوم بالإجابة عليها، ثم نقوم بارسال الإجابة إلى السائل بأقرب وقت ممكن ـ إن شاء الله ـ.

قسم الأسئلة الدينية
في المركز الإسلامي في انجلترا ـ لندن
 

 

 

 

اذان صبح
 
 

 البرنامج القادم

 

البث المباشر شهر محرم