بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تبارك وتعالی: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )(بقره/185)

هناك احاديث کثيرة وردت عن رسول الله (ص) فی شرف و اهمية شهر رمضان المبارك منها خطبة شهیرة ذکرها السيد ابن طاووس فی کتابه « الاقبال عن رسول الله (ص) ، جاء في الحديث :
عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبنا، فقال :
"أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله من أفضل الشهور ، وأيامه من أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله ، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة ، وعملكم فيه مقبول ، ودعاؤكم فيه مستجاب ، فاسألوا الله ربّكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه ، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه ، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ، ووقروا كباركم ، وارحموا صغاركم ، وصلوا أرحامكم ، واحفظوا ألسنتكم ، وغضوا عمّا لا يحل النظر إليه أبصاركم ، وعمّا لا يحل الإستماع إليه أسماعكم ، وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنن على أيتامكم ، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم ، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم ، فإنها أفضل الساعات ، ينظر الله عزّ وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه ، ويلبيهم إذا نادوه ويعطيهم إذا سألوه ، ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالهم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم ، واعلموا أن الله أقسم بعزّته أن لا يعذّب المصلين والساجدين وأن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أيها الناس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه قيل يا رسول الله : فليس كلّنا يقدر على ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، اتقوا النار ولو بشربة من ماء.
أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ومن خفّف في هذا الشهر عمّا ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه ومن كفّ فيه شرّه كفّ الله عنه عضبه يوم يلقاه ، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه ، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار ، ومن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ، ومن أكثر فيه من الصلاة عليّ ثقل ميزانه يوم تخف الموازين ، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.
أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة ، فسألوا ربكم أن لا يغلقها عنكم ، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : فقمت فقلت : يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال : يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله».

ضم الحديث مفاهيم و التفاتات رائع و ذات اهمية ، لو اردت الخوض فيها لألزمني عدة جلسات فسأتطرق في مقالتي هذه الی ثلاث نقاط منها فقط .
النقطة الاولی :
سأذکر هاهنا بعض النقاط کمقدمة للبحث :
1- يری الفلاسفة ان الزمن ، حقيقة موجودة فهو ظرف لحرکة و صيرورة الکائنات، وبناء علی هذا فالزمن کالمکان وکغيره من الکائنات من مخلوقات الله تعالی .
2- نستوحي من الذکر الحکیم أن جمیع الکائنات ملك لله وحده، نشير الی آية واحدة من آيات کثر قال جلّ وعلا «وله ما في السماوات وما فی الارض»(حج/64)
3- لا تتلخص واقعية الظاهر والباطن علی الانسان فقط ، فکل کائن له حقيقة باطنية ايضاً .
4- الکائنات کما تعلم تختلف من حيث الظاهر ويفضّل بعضها علی بعض ، فکذلك تختلف من حيث الباطن و يفضّل بعضها علی بعض ايضاً ، والانسان مثال هذه الحقيقة الواضحة فهو يفضّل علی مخلوقات الکون اجمع کما قال البارئ «ولقد کرمنا بنی آدم وحملناهم فی البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علی کثير ممن خلقنا تفضيلا»(اسراء/70) لا تتوقف افضلية الانسان عند غيره من المخلوقات بل تمتد الی افضلية اناس علی اخر کما يستلهم من الآية : «انظر کيف فضلنا بعضهم علی بعض» (اسراء/21).
سنشير الی تفضيل بعض الاماکن علی غيرها فقط کمثال لتفضيل الکائنات غير الحية علی بعضها ففضّل الله البيت الحرام علی سائر اراضيه وخصّه بالبرکة حيث قال :
(ان اول بيت وضع للناس للذی ببکه مبارکا) (آل عمران/96). وقال عن المسجد الاقصی(المسجد الاقصی الذی بارکنا حوله)(اسراء/1) واحاط بعض القری ببرکة خاصة حين قال : (وبين القری التی بارکنا فيها)(سبأ/18).
الازمنة تفضّل علی بعضها البعض ايضاً (انا انزلناه فی ليلة مبارکة) (دخان/3).
نلاحظ انّ هذه الليلة فضّلت علی غيرها کجزء من الزمن وفی آية اخری افصح بوضوح عن تلک الافضلية فقال : « ليله القدر خير من الف شهر» (قدر/2) بمقدمتنا هذه نستنتج انّ شهر رمضان احد الازمنة الواقعية الموجودة وهو من صنع البارئ وکسائر خلق الله فهو ملك لله وحده ، وله ظاهر وباطن . ويوضح لنا القرآن الکريم أن افضلية هذا الشهر علی غيره من الشهور لا تقدّرولا تحصی فلو قايسناالآيات الثلاث المذکورة لتبين لنا أن القرآن انزل فی ليلة القدر التی هي خير من ألف شهر وقد صرّح بأنه انزل فی شهر رمضان المبارك فی سورة البقرة الآية 185.
امّا ماذکره رسول الله (ص) فی خطبته عن شهر رمضان فتکشف القناع عن معلّم حکم وحقائق خفية ، يضعها فی متناول ايدي النّاس ليتمکّنوا من الوصول الی بر الهداية والکمال.
وباطن شهر رمضان احد تلك الحقائق الخفية.
وکما ذکرنا آنفا ً فإن شهر رمضان کغيره من الازمنة من صنع البارئ تعالی وملك له ، فلم سمّی رسول الله هذا الشهر «بشهر الله » تحديداً؟
إن الرسول (ص) هنا يعلّم النّاس أن حقيقة شهر رمضان الباطنية ،حقيقة عظيمة وشريفة ، تتسامی فوق جميع الاشهر ، فأيامه افضل الايام ، ولياليه افضل الليالي، وساعاته افضل الساعات.
ويعلّمهم ايضاً أن شهر رمضان وإن کانت کل الازمنة ظرف للحرکة والصيرورة ولکنّه يفوق کل الازمنة حرکة وسيراً الی الله وصيرورة وتمثّلا ً بالله فقال (ص):
(ايها النّاس، إن الله کرّمکم واهداکم رحمته وعلّمکم بعلمه ولکنّه خصّصکم بکرامة ورحمة وتعليم خاص فی هذا الشهر الکريم انه قد اقبل اليکم شهرالله بالبرکة والرحمة والمغفره ...هو شهر دعيتم فيه الی ضيافه الله وجعلتم فيه من اهل کرامه الله) .
ویحذّرهم بأن لایضیعوا هذه الفرصة القیّمة علیهم بالغفلة ولیغتنموها بصحوة القلب والبصیرة.
النقطة الثانیة:
دعی الله جمیع خلقه الی مائدة بسطها بوسع الارض ، وبکرمه ورحمته وضع فیها نعماً مادّیة ومعنویة لاتعدّ ولاتحصی فقال: «هو الذی خلق لکم ما فی الارض جمیعا»(بقره/20) «وآتاکم من کل ما سألتموه وان تعدوا نعمت الله لا تحصوها»(ابراهیم/34).
فباستطاعتنا القول إن الانسان ضیف مائدة الله منذ انعقاد نطفته وحتّی لفظ انفاسه الاخیرة ولکنّا نری رسول الله (ص) یقول فی خطبته : «دعیتم فیه (شهررمضان ) الی ضیافه الله» . فلم قال الرسول(ص) هذا؟
یبدو أن رسول الله (ص) أراد بکلامه هذا، رفع الستار عن حقیقة وباطن هذا الشهر المبارک ویعلّم البشر حکمة تهذّبهم وتنبّههم الی أنهم مع دعوتهم منذ بدایة خلقهم الی مائدة ملیئة بالنعم ولکنّ الله تعالی عند حلول الشهر المبارک یعدّ بکرمه ورحمته ضیافة خاصة لهم.
ولحضورهم تلک الضیافة الخاصة ینبغی علیهم أن یزیلوا ادران قلوبهم بالاستغفار والتوبة النصوح ویضفوا علی قلوبهم روعة الصفاء بصیام حقیقیّ لیعرفوا الله مستضیفهم حق المعرفة . والرسول(ص) یرید أن یلفت نظرنا الی ان ضیافة تلک الدعوة ستکون خاصة ایضا ً.فمن دخل تلک الضیافة سیکون من اهل کرامة الله وسیصبح نفسه تسبیحاً ونومه عبادة وعمله مقبولاً ودعاؤه مستجاباً .
وینبّهنا رسول الله (ص) الی أن هذه الدعوة بخلاف الدعوات الاخری التی یقدم فیها انواع الطعام والشراب ففیها یرجی الکف عن تناول جمیع الاطعمة والاشربة.
«فمن شهد منکم الشهر فلیصمه»(بقره/185).
وکما ان للاکل منافع ونتائج ولذة فلابد ان للکف عنها منافع ولذة ایضاً، نری هذا فی خطاب الله لرسوله فی حدیث المعراج :
« يا أحمد هل تعلم ما ميراث الصوم؟ قال: لا، قال: يورث الصوم قلة الأكل، وقلة الكلام ثم قال في ميراث الصمت: انها تورث الحكمة وهي تورث المعرفة، وتورث المعرفة اليقين، فاذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح؟ بعسر ام بيسر؟ فهذا مقام الراضين. فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال: شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النيسان، ومحبة لا يوثر على محبتي حب المخلوقين، فاذا أحبني أحببته وحببته الى خلقي، وأفتح عين قلبه الى جلالي وعظمتي فلا أخفي عنه علم خاصة خلقي، أناجيه في ظلم الليل ونور النهار، حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأعرفه سري الذي سترته من خلقي».

زال الغبار عن سر تلک الحقیقة الآن وبدا سبب طلب الامساک عن الاکل والشرب فی ضیافة الله جلیّاً وواضحاً فالضیافة الخاصة لها طقوسها الخاصة !

النقطة الخیرة:
استوحی من قول رسول الله (ص): «شهر دعیتم فیه الی ضیافه الله » معناً آخر یرید نبیّنا الاکرم ان یهدینا حکمة ویجعل فی مرءانا ما یری فهو شاهد ان بعض ریاض الجنّة بین ثنایا شهر رمضان.
جاء فی کتاب الله العزیز آیات کثیرة تصف الجنّة والعیش فیها اخترت اثنتین منها:
1- قال الله عزّ وجلّ : «اما الذین آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوی نزلا بما کانوا یعملون»(سجده/19).
2- وقال ایضاً: «ولکم فیها ما تشتهی انفسکم ولکم فیها ما تدعون، نُزُلا من غفور رحیم» (فصلت/32).
نستنتج أن اول مایقدم للضیف عند دخوله علی مستضیفه هو « النٌزٌل » (ماذکر هو احد معانی النزل) مع ان القرآن لم یصرّح بأن المؤمنین هم ضیوف الرحمن فی الجنّة ولکنّا نستطیع استنتاج هذا المعنی من کلمتی النزل التی ذکرت فی الآیتین السابقتین ویستضیف الله المؤمنین بشتی انواع النعم المادّیة و المعنویّة وبهذا فإن الجنّة محل ضیافة الله . ویکشف رسول الله (ص) عن باطن الشهر المبارک قائلاً إن شهر رمضان کالجنّة فهو محل ضیافة الله ودارها وهو روضة من ریاض الجنّة.
من جانب آخر فالجنّة محل الامان والسلام کما وصفها الله فی محکم کتابه بدار السلام قائلاً « لهم دار السلام عند ربهم»(یونس/25) و قال عزّ وجلّ « ان المتقین فی جنات وعیون، ادخلوها بسلام آمنین»(حجر/45-46).
ویأمن المؤمنون فی الجنّة من التعب والنصب والعذاب الالیم والعقاب الجسیم ومن شر الشیطان الرجیم ویخلّدون فی ظل وکنف رضوان الربّ الرحیم .
فنری أن المؤمنین لایرزحون تحت وطأة الالم الروحی وشر الشیاطین فی شهر رمضان الذی یعبق بعطر الجنان ویمارسون عباداتهم بعیداً عن شر الابالسة والشیاطین.
بیّن الرسول (ص)هذا فی خطبته قائلاً:
«أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة ، فسألوا ربكم أن لا يغلقها عنكم ، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم»

تبیّن لنا هذه العبارات بوضوح ان المؤمنین والصائمین حقاً یشمّون عطر الجنان فی شهر رمضان ویأخذون نصیبهم من جوّه الملکوتی کجزء من الجنّة.
واما مایجب فعله وأیّ سبل نسلک لدخول هذا الفضاء الملکوتی فهذا ما اوضحه لنا الرسول الکریم (ص) فی خطبته والخوض فیه یتطلب فرصة اخری.
نرجو من الله تعالی ان یرزقنا توفیق العبادة والصیام المقبول وتلاوة کتابه والدّعاء بتضرع واخلاص وصدق وان لا یحرمنا عطایاه الجزیلة.